البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

الخميس، 21 أبريل 2016

آليات تطبيق المنهج التداولي على النص التراثي


الباحثة الدكتورة /هاجر مدقن
قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)


مدخــل:
ما يزال النص التراثي قطبا مغناطيسيا تنجذب إليه جهود الدارسين على اختلاف مناهج دراساتهم، وتراوحها بين الجدة والقدم، وذلك لما لهذه النصوص من خصائص لغوية وقيمية تشكل نسيجا متكاملا ومتجددا؛ بحيث لا تجدُّ دراسة ولا يبرز على ساحات المناهج والتوجهات الجديدة منهج إلا ووجد له في هذه النصوص ضالة. 
         ويعتبر المنهج التداولي الحديث – على تمنعه على الضبط والتجديد على مستوى آلياته التحليلية – وسيلة متكاملة ومتداخلة الإجراءات بشكل "عبر تخصصي"، يمنحه ثراء على مستوى الإجراء والنتيجة، ولاسيما على مستوى النصوص التراثية لما فيها من مستويات سياقية مقامية، وتشخيصية، وتوفرها على مساحة شاسعة من الطبقات الكلامية "مستويات الأفعال الكلامية" على اعتبار أن هذه الأخيرة مبحث مهم من المباحث التداولية.
         وسيكون هدف هذه المداخلة إن شاء الله، بسط أهم آليات مقاربة النص التراثي في ضوء المنهج التداولي الحديث.  
1- التداولية بين النظرية والمنهج:
         تناولت التداولية كدرس جديد بحوث كثيرة، وبتعددها تعددت تعاريفها، ومن بينها؛ أنها: «مجموعة من البحوث المنطقية اللسانية (...)، وهي كذلك الدراسة التي تعنى باستعمال اللغة، وتهتم بقضية التلاؤم بين التعابير الرمزية والسياقات المرجعية والمقامية والحديثة والبشرية». ورصد لها تعريف آخر، وهو أنها: « تمثل دراسة تهتم باللغة في الخطاب، وتنظر في الوسميات الخاصة به ، قصد تأكيد طابعه التخاطبي ». وهي كذلك:«الدراسة أو التخصص الذي يندرج ضمن اللسانيات، ويهتم أكثر باستعمال اللغة في التواصل».
         هذه التعددية في المفاهيم توقع التداولية في مفترق طرق الأبحاث اللسانية والفلسفية والتواصلية عامة، ما يجعلها درسا غزيرا لا يمتلك حدودا واضحة­­، وهذا التوسع واللامحدودية، جعلها تتداخل واختصاصات أخرى ، أو تحقق بذلك ما يسمى بـ: "العبر تخصصية"، التي أغنتها إجرائيا بتداخلها مع معارف واختصاصات أخرى، وهذا الغنى « ساهم في حل إشكاليات مطروحة، وإن تسبب في إعاقة ضبط مفاهيمها » .  فالتداولية لا تنتمي إلى أي من مستويات الدرس اللغوي صوتيا كان أم صرفيا أم نحويا أم دلاليا، لذلك فالأخطاء التداولية لا علاقة لها بالخروج على القواعد الفونولوجية أو النحوية أو الدلالية، وهي ليست مستوى يضـاف إلى هذه المستويات؛ لأن كلا منهـا يختص بجانب محدد ومتماسك من جوانب اللغة ،وله أنماطه التجريدية، ووحداته التحليلية، ولا كذلك التداولية، فهي لا تقتصر على دراسة جانب محدد من جوانب اللغة، بل من الممكن أن تستوعبها جميعا، وليس لها أنماط تجريدية ولا وحدات تحليل. 
         وهي كذلك لا تنضوي تحت علم من العلوم التي لها علاقة باللغة على تداخلها معها في بعض جوانب الدرس كـ: علم الدلالة: الذي يشاركها دراسة المعنى، وعلم اللغة الاجتماعي: الذي تتشارك معه في تبيين أثر العلاقات الاجتماعية بين المشاركين في الحديث وموضوعه ومرتبة كل من المتكلم والسامع وجنسه، وأثر السياق غير اللغوي في اختيار السمات اللغوية وتنوعاتها، وعلم اللغة النفسي: الذي يشارك التداولية الاهتمام بقدرات المشاركين التي تؤثر في أدائهم، مثل: الانتباه والذاكرة والشخصية، وتحليل الخطاب:ويشتركان في الاهتمام أساسا بتحليل الحوار، ويقتسمان عددا من المفهومات الفلسفية واللغوية، كالطريقة التي توزع بها المعلومات في جمل أو نصوص، والعناصر الإشارية، والمبادئ الحوارية.هذا الاتساع والتداخل حدا بكثير من الدارسين إلى القول بافتقارها إلى موضوعات مترابطة ووحدات تحليل خاصة بها.
         لكن هذا لم يمنع دارسين آخرين من محاولة تحديد مجالات تطبيقها، ولنقل مجالات مقارباتها. فالدكتور " صلاح فضل "، في كتابه: ‹بلاغة الخطاب وعلم النص›، في مبحث: "التحليل التداولي للخطاب"، أشار إلى أن المهم في التحليل التداولي هو الخطاب وفاعله؛ حيث يعنى التداوليون بالاقتراب من الخطاب كموضوع خارجي، أو شيء يفترض وجود فاعل منتج له، وعلاقة حوارية مخاطب أو مرسل إليه. ويكون الاهتمام بالفاعل الذي نعرفه فحسب من خلال خطابه؛ أي بالكيفية التي يقدم بها نفسه من جانب، وباعتباره مسئولا عن مجموعة من العمليات الإجرائية على مدار النص من جانب آخر.
         فعلى التحليل النصي للقول أن يشمل كل ما يشير إليه النص من موقف الفاعل الداخلي اتجاه قوله، وبهذا فإن النص يقدم دائما باعتباره (موسوما marqué) أو(غير موسوم) بطريقة شخصية؛ أي أنه يتصل بفاعل يتجلى فيه معبرا عن رأيه أو وجهة نظره، مشيرا إلى تجربة أو حدث متعلق به ذاته، وعندئذ يصبح موسوما، أو متصلا بوقائع ومعارف موضوعية بعيدة عن القائل، وعندئذ يكون غير موسوم. هذان الوضعان الأساسيان للخطاب بكل ما يدخلهما من تعديلات وتداخلات يتجليان نصيا من خلال العوامل التالية:          
-    مؤشرات الشخص والمكان والزمان.
-         كيفيات القول التي تحدده ، مثل موقف التأكد واليقين أو الشك والاحتمال.
-    مؤشرات الموقف التي لا تتصل بفعل القول ذاته، وإنما بموقف القائل مما يقوله، ويدخل في ذلك تلك العناصر اللغوية الذاتية أو الخارجية التي تحدد أحد الموقفين.
ونلاحظ هنا أن ما قدمه " صلاح فضل"، لا يبعد كثيرا عما أشار إليه رواد التنظير للتداولية، ومن بينهم "أرمينكو"، التي تشير إلى كثير مماورد لدى"صلاح فضل"، ضمن مكونات المقاربة التداولية التي عالجتها انطلاقا من المستويات الخمس التي صنفتها وفق أهم نتائج الجهود التي نظرت للبحث التداولي على اختلاف الخلفيات والمرجعيات المعرفية ( السيكو- سوسيو- لوجية، اللسانية، البلاغية الجديدة ، المنطقية، الفلسفية )، ولاسيما المستويات: الثاني والثالث والرابع.
2- المقــاربة التداوليــة:
         إن مقاربة بين مفهوم التواصل والتداولية تفضي إلى أن موضوعها – التداولية – هو الإنسان نفسه وهو يباشر أدواره الاجتماعية. وهذه الأدوار تنعكس في مختلف السياقات التي تطبع الخطاب الذي ينتجه. والمقاربة التداولية من شأنها تحديد هذه السياقات؛ كونها – المقاربة التداولية - «"اقتراب" له جانب" الخطوة الأولى، الابتعاد"...، وهي "سياقية"لأن مفهوم السياق هو أحسن ما يسم هذه الطوبيقا*».
         وبهذا يكون مجال المقاربة محددا في ما وراء البنية النصية، متجاوزة النص كبنية مغلقة، لا تحيل إلا على ذاتها، وتستند في تشكلها والتحامها وتماسكها على إمكانياتها وطاقاتها الداخلية الصوتية والصرفية والتركيبية، إلى الخطاب كبنية منفتحة على سياقات خارجية في علاقة تفاعلية مستمرة.      
3-آليـات المقـاربة التداوليـة للنص التراثـي :
         تطالعنا الخزانة التراثية العربية بأنماط نصية لا تختلف على مستوى الجنس فقط: الشعر والنثر، بل على مستوى البناء النصي للجنس الواحد.
وسيكون استقراؤنا للنص التراثي في هذه المداخلة انطلاقا من النصوص النثرية، وتحديدا النصوص (القصصية الخرافية المثلية)، والتي يمثلها خير تمثيل في هذا المجال، كتاب:‹كليلة ودمنة›، "لابن المقفع".
         من يطلع على الحكايا الخرافية في هذا الكتاب تتبادر إلى ذهنه أطياف متشاكلة ومتباينة من القضايا ، والتي يمكن لكل واحدة منها أن تنفرد ببحث خاص يتأتى لصاحبه أن يقول فيه ما يقول؛ إن كان على مستوى نوع النص: (القصصي(الحكائي) الرمزي)، أو قضية النص: (الإصلاح السياسي ونصح الملوك)، أو ما يسمى بـ: (الآداب السلطانية)، أو بناء النص: (المثلي الحجاجي)، والذي نفهم من ورائه أن المثل لا يساق إلا حجة ، وهذا هو الطابع الكلي لكتاب: ‹كليلة ودمنة›.
         لكننا اختصارا للوقت والجهد، سنحاول مقاربة نصوص هذا الكتاب على مستويين:
أ‌-          مستوى بنية الخطاب الداخلية (العلاقات الداخلية)، انطلاقا من رصد الأفعال الإنجازية: المباشرة وغير المباشرة.
ب‌-        مستوى بنية الخطاب الخارجية؛ أي التفاعلات النصية التي تكون على مستوى تفاعل ذوات الخطاب مع المحيط الخطابي، أو القيمة الخارجية، والعلاقات التي تتجسد في كل من: "التشخيص" و"المقام".

§         1.           البنية الداخلية للخطاب :
أ‌-          الأفعال الإنجازية :
يعـرّف "أوستن AUSTIN" الفعـل الإنجازيّ بأنّه: « ما نقوم به خلال كلامنا »، بمعنى الآثار التي ينجزها كلامنا، والتي تخالف الفهم المجرّد لهذا الكلام، أي ارتباط الكلام أو القـول بالـحدث مباشرة كمـا يشـير " فـان دايك VANDIJK " الذي يجعل مفهوم الفعل الإنجازي في علاقة وثيقة مع مفهوم الحدث  وقد يكشف تعريف موجز بديهيّ للفـظ الفعل هذه العلاقة : فالفعـل هو كلّ حدث حاصل بواسطة الكائن الإنساني.
ومـن شروط إنجازيّة الأفعال اقتضاؤها لشروط وأحوال ذهنيّة سابقة، ولاسيما القصديّة،«لأن  أحوال حصول الأفعـال المنجـزة عن قصد هي ما يمكن أن تـوصف بكونـها أفعـالا إنجـازيّـة ».  ولأن التداولية تتلخص في علاقة العلامات اللغوية بمستخدميها، فهي تمنح هذه الأفعال إطارا تواصليا ضمن بنية خطابية قابلة للتأويل؛  أي ما يسمى بالتأويل التداولي للعبارات.
 يحيلنا لفظ (التّداولية) إحالة مباشرة إلى نظريّة أفعـال الكلام، وهذه النظرية ترتبط بقطبين اثنين: " أوستن Austin  " و" سيرل Searle  " الذين  قعّـدا لها عن طريق محاولتهمـا لتقسيم الجمـل، أو بتقسيم "أوستن Austin  " للجملة الخبريّـة إلى: وصفيّـة (constative)، وإنشائيّة (performative  ) ثم عدوله عن هذا الّتقسيم انطلاقا  من تساؤله:             
<< كم معنى هناك على أساسه يكون قول شيء هو نفسه فعل شيء،  أو يكون متضمّنا في قولنـا شيئا ، فعلنا لشيء معين ، أو يكون بواسطة قولنا شيئا فعلنا لشيء ما >>.
 ومنه ميّز " أوستن Austin  " أفعالا ثلاثة ترتبط بالقول ( locution ):   
 أ – فعل القول LOCUTIONARY ACT : وهو << إطلاق الألفاظ على صورة جملة مفيدة ذات بناء نحوي سليم مع تحديد مالها من معنى ( Sense ) ومشار إليه              ( Référence ) >>، وهـذا الفعل يقع دائما مـع كل قول، ومع إعطائه معنى، يبقى غير كاف لإدراكنا أبعاده، كقولنا:
- إنها ستمطر.
مع فهمنا الكلّي لمعناها ، فلا ندري إن كانت خبرا أو تحذيرا من عاقبة الخروج، أو أمرا بحمل المظلّـة؛ إلخ.
لـذا وجد " أوستن " ضرورة إرفاق فعـل القـول بـ:
ب – فعل متضمّن في القول ILLOCUTIONARY ACT: هـذا الفعل يشتمل على أمـر زائـد هو ( القوة Force ) التي للقول، فيقال للجملة السابقة في موضع أنّ لها قوّة الخبر، وأخرى أنّ لها قوّة التّحذير، وقوة الأمر في ثالث، وهكذا. لذا اقترح "أوستن" تسمية النّظرية القائلة بتنوّع وظائف اللّغة نظرية ((القوى المتضمّنة في القول ILLOCUTIONARY FORCE   ))و مع القيام بالفعل (أ) و( )، ينشأ فعـل ثالث هو التّسبب في نشوء آثار في مشاعر أو أفكار أو أفعال المخاطب، أو المتكلم، أو غيرهما، على نحو كان  الفاعل؛ أي المتكلم قد عمد إلى إيجاده ، من أمثلته: الإقناع ، التّضليـل ، التّثبيط، و يسمّى هذا الفعل :
ج- الفعل الناتج عن القول أو الفعل بواسطة القول   perlocutionary Act   .
وهذا التّحديد لمعاني أفعال الكلام ومقاصدها، يجعله " فان دايك Van Dijk  " غرضا رئيسيّا للتّداوليّـة في كتابه:‹النّص والسّياق، استقصاء البحث في الخطاب الدّلالي والتّـداولي›:
<< التّحليل السّليم لأفعـال الكلام هو الغرض الرّئيسي للتّداوليّـة ، لأنّه لا يمكن أن يتمّ بغير فهم مسبق لمعنى الفعل أو التّصرّف >>.
           وهو يلحّ على ما يسمّى بإنجازيّة الفعل أو إعطائه تأويلا تداوليّا كمهمّة رئيسة أخرى، إضافة إلى وضعه في سياق معّين أو موقف من المواقف: << المهمّة الرئيسية للتّـداولية هي تـحويل ضروب الخطاب ( الجمل ) إلى أفعال منجزة، وعملية تحويل الخطاب إلى أفعال منجزة يمكن أن تسمى أيضا تأويلا تداوليّـا للعبارات، والمهمّة الثّانية هي تنزيل هذه الأفعال في موقف معين، وصياغة الشّروط التي تنصّ على نجاح هذه العبارات في أي موقف مـن المواقف >>.
 وتنقسم الأفعال الإنجازية في الخطاب إلى: أفعال مباشرة وأفعال غير مباشرة.
1-الأفعـال المباشـرة:
يكـون الفعـل مبـاشرا إذا تطابـق القـول "الفعـل Verbe   وحكمـة Mode  نـوع الجمـلة" مع "الإنشـاء illocution "، مثـل:
أعلـن عن اختتـام فعـاليـات الملتقـى.
آمـرك بالمغـادرة.
أسـدل الستـائـر.
أين وجـدت البطـاقـة؟
و هي أفعـال متواضـع عليهـا ، وتتـداول غالبـا بمعانيها الأصليّـة؛ أي يطـابق لفظها معناهـا مباشرةوهي  تحيل إلى أربعة أفعـال في الوقت نفسه:
1   -فعـل القـول.  – Acte d’énonciation    
2-فعـل الإسنـاد. – Acte propositionnel           
3-فعـل الإنشـاء.    – Acte performatif
4-فعـل التّـأثير.  Acte perlocutif       -    
ومن أمثلة ذلك في كتاب ‹ كليلة ودمنة ›:
قالت السلحفاة مخاطبة الجرذ: « اعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن هو لم يتداو به لم يغنه علمه، ولا يجد راحة ولا خفة ». 
أ‌-          فعل القولوهو فعل التلفظ بالكلمات والجمل: اعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل.
ب‌-        فعل الإسناد يربط الصلة بين المرسل والمرسل إليه؛ أي إسناد معنى القول إلى الطرف الآخر: أنت "اعلم" أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل. حيث تم إسناد الفعل إلى المفرد المخاطَب (الجرذ).
ت‌-        فعل الإنشاءيتحقق الفعل الإنشائي في القصد المتضمن في القول، إن كان نصحا أو عرضا أو تقييما وحكما...، والقصد المتحقق في هذا القول: هو تقديم السلحفاة  النصيحة إلى صديقها الجرذ؛ بأن تمام الكلام مرهون بتمام العمل.
ج‌-         فعل التأثير : يتوقف فعل التأثير على المعنى الذي يعطى للقول ، وفي المثال إضافة إلى الطرح ، ومدى وقوف المتلقي على معناه منفردا ، هناك حجة ملحقة تزيد في الإيضاح ، وتبلغ من التأثير حد الإقناع :

الطــرح:
الحجــة:
اعلم أن حسن الكلام لا يكون إلا بحسن العمل.
وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن هو لم يتداو به لم يغنه علمه، ولا يجد راحة ولا خفة.

2- الأفعـال غير المبـاشـرة :
    هو استخدام المتكلم أو المخاطب لعبارات إستعاريّة و أشكال قول مجازية بدل استخدام المعاني الحقيقية والجهـر بما يريد الإدلاء به ؛ أي إجبار المتلقي على الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المعنى الذي يسنده المتكلم إلى قولـه .
كقـولنـا : كلمتـه سيـف .
إنّ المستمع لهذه العبارة يلغي وجوبا المعنى الحقيقي؛ أي كون الكلمة سيف ( نـوع من الأسلحة )،  ولا يحتفظ إلا بالمعنى المجـازي المـراد؛ وهو الصـّرامة و الجـديّـة.
وفد أطلق " غـرايس Grice  " مفهوم:  " حكم الحديث Maximes Conversationnelles  " على المقاصد غير المباشـرة للتّعـامل والتّـواصل ، و من بينها الكـلام غير المباشـر.
  إن نصوص كتاب ‹ كليلة ودمنة › نصوصمجازية؛ اتخذت اللامباشرة منهجا، إن كان في نوعها أو شخوصها أو بناء خطابها، حيث اعتمد صاحبه التشابيه المتنوعة  كمقدمات للمعنى الذي تسوقه الشخصية المتكلمة؛ والذي تختمه بمثل تحتج به، والتمثيل هنا يكون أعلى قيمة من مجرد ربط علاقات مشابهة بسيطة إلى ماهو أكثر تعقيدا وبعدا: « فهو طريقة حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة المستهلك ، حيث لا يرتبط التمثيل بعلاقة المشابهة دائما، وإنما يرتبط بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة أبدا، ومن ثمة اعتبر عاملا أساسيا في عملية الإبداع يستعمل في الحجاج ( فهو قريب من الحجاج المقارني ) دون أن تكون له علاقة بالمنطق الصوري، حيث لا يطرح معادلة صورية خالصة، ولكنه ينطلق من التجربة بهدف إفهام الفكرة، أو العمل على أن تكون الفكرة مقبولة، وذلك بنقلها من مجال إلى مجال مغاير ، جريا على مبدأ الاستعارة  ».  ومثاله: في مثل البوم والغربان، وهو مثل العدو المتظاهر باللين والمسامحة، فقبل أن يسرد الغرابمثلا لهذا المثل مهد له بكلام حكمي فيه من التشبيهات القريبة ما يبسط معنى المثل الأكبر الذي سيتلو كلامه ويكون بمثابة التشبيه الأكثر تعقيدا : « ... ذلك ولا بد لصاحب السر من مستشار مأمون يفضي إليه بسره ويعاونه على الرأي فإن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأيا فإنه يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالودك ضوءا. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق في تبصيره خطأ إن أتى به وتقليب الرأي فيما يشكل حتى يتفق شأنهما. فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع عدوه. كالرجل الذي يرقي الشيطان ليرسله على الإنسان فإذا لم يحكم الرقية أضحى هو أسيرا للشيطان... »، وهكذا إلى أن يتهيأ لضرب المثل الذي مهد له بهذه التشبيهات.
1-    البنية الخارجية للخطاب :                                                                                                                                وستكون دراستها انطلاقا من الخاصية الحوارية للخطاب الحجاجي التداولي في هذا الكتاب، و"الحـواريّة" مكوّن أساس لكلّ كلام، وهي تتوزّع كخطاب بين متلفّظين فأكثر، وكونها من مستويات تجلّي البعـد التـداولي للخطاب الحجاجي، فهي تقوم على ركيزتين تختصران كثيرا من الخصائص الخطابية لتداوليّة الحجـاج في أي مستوى من مستويات الكتـابة خاصّـة، كونها تفسح مجـالا أوسع لاستثمـار المعطيـات المتاحـة للخطـاب، وهـاتان الرّكيزتان هما: "التّشخيص" و"المقام".
أ‌-          التشخيص:
التّشخيص لدى "بانفنيست" خاصّية تلفّظية، أوهو الإطار التّشخيصي للتّلفظ؛ لاقتضاء التّلفظ كبنية حوارية لصورتين هما: مصدر التّلفظ وهدفه. وهو نوع من أنواع الحجاج، سمّاه "طه عبد الرّحمن": "الحجـاج الّتقـويمي"، الذي يعمد المستدل فيه إلى تجريد ذات ثانية من ذاته ينزّلها منزلة المعترض على قوله، يستنبط من فعل التّلقي لديها كلّ ردود الفعل المحتملة: استفسارات، واعتراضات، ويستحضر بهذا مختلف الأجوبة عليها ومستكشفا في الوقت نفسه إمكانات تقبّلها واقتناع المخاطب بـها. والتّشخيص عند " بيرلمان "دراسـة لطبيعة العقول تستدعي أحسن السبل لمحاورتها والإصغاء إليها وحيازة انسجامها الإيجابيL ‘adition positive والتحامها مع الطّرح المعروض. وهذه الأمور النّفسية  والاجتماعية تفقد بغيابها الحجـاج تأثيره وغـايته؛ لذا فهذا النّوع من الحوارات الإقناعية يبرز على صورتين: صريحـة وضمنية ، و الحوار الضّمني هو النوع الذي انبنى عليه "التّشخيص" في كتاب‹كليلة ودمنة› ، حيث جرّد "ابن المقفع" من نفسه شخوصا كثيرة اقتسمت أفكاره وآراءه مجسدة في الشخوص التي اختارها بطلة في كتابه، والتي تنوعت بين إنسانية وحيوانية، وإن كان الحيوان أكثر حضورا وتأطيرا لفحوى الكتاب ، فكل شخصية من هذه الشخوص تشكل رمزا سياسيا حاضرا ، أو هي تشخيص مادي لقيمة مجردة « فها هنا لا يكتفي المستدلّ بالنّـظر في فعل إلقاء الحجّـة إلى المخاطب واقفا عند حدود ما يوجب عليه مـن ضوابط ومـا يقتضيه من شرائط ، بل يتعدى ذلك إلى النّـظر في فعل التلقي باعتباره هو نفسه أول متلق لما يلقي، فيبني أدلّته أيضا على مقتضى ما يتعين على المستدل له أن يقوم به، مستبقا استفساراته واعتراضـاته ومستحضرا مختلـف الأجوبة عليها ومستكشفا إمكانات تقبّـلها واقتناع المخاطب بها . وهكذا ، فإن المستدل يتعاطـى لتقويم دليله بإقامة حوار حقيقي بينه وبين نفسه ، ومراعيا فيه كل مستلزماته التّـخاطبية من قيود تواصلية وحدود تعامليّة، حتى كأنه عيّـن المستدلّ له في الاعتراض على نفسه».
          فالمخاطب المتخيّـل هو دائما بالنّـسبة لمن يحاجج عبارة عن " بنية ممنهجة " نوعا ما ؛ أي أنه يؤطّر القول، ويجعله ملائما لظروفه الوارد فيها. فهذا المحاور المتوهم الذي على الخطيب تجريده من نفسه، أو من المقام، يعد خطّـة منهجية ضرورية من صنع الخطيب ذاته، وبالتالي ممكن لنا القول إنه داخل في إطار العلاقة بين الجوانب النّـفسية البحتة بالأطر الحجاجيّة.
            والمتكلّـم ( خطيبا أو كاتبا ) لا يستطيع تخيّـل هذا المخاطب ما لم يكن على دراية عميقة  بأحـوال المخاطبين الرّاهنة، وبموروثهم الثّقافي والحضاري، وبهمـوم مستقبلهم.
ثم إنّ على المتكلّم الحذر في تخيّل هذا المخاطب، لأن الخطأ في التّقدير قد تنجم عنه ردّة فعل عكسية تودي بمسار البناء الحجاجي بكامله.
            فهذا المخاطب هو الحامل للخصائص الجماعية الكبرى التي يتقاطع فيها السّواد الأعظم، إنّـه بعبارة أخرى: الثقافة والحضارة والمجتمع والنصوص الخلفية الثّاوية في اللاوعي الجماعي الموجّهة للوعي وللفهم وللتعامـل داخل الزّمرة الاجتماعية الخاصّة، وبالتالي يكون الخطأ في رسم صورته الفعلية مؤديا حتما إلى نتائج عكسية تماما.
     وفكرة المخاطب المتخيل أو ما يسمى بـ (الخلق ) ، أخذت تجليات عدة عند " بيرلمان ":
1-      المخاطب الكوني ( من دون خصائص أو معالم محددة أي عاما شاملا ) .
2-      المخاطب المحدد النّـابع من مكونـات مقـام القـول وإمكاناته التي على المتكلم – أيا كان – الإجادة في استغلالها والاعتدال في توظيفها .
3-      المخاطب النابع من " الفاعل " أي المرسل للقول ذاته ، وجزءا من تجريداته وطموحاته.
   ب-  المقـــام 
        يقرن " صلاح فضل " مصطلح المقام بالسياق في التداولية ، وذلك لأن التداولية    << تستخدم مفهومـا تجريديا يدّل على الموقف التّـواصلي هو " السياق " . فالتداولية إذن تعنى بالشروط والقواعد اللازمة للملائمة بين أفعال القول ومقتضيات المواقف الخاصة به ؛ أي للعلاقة بين النص و السياق >>.
ولا يشمل السياق من الموقف إلا العناصر التي تحدد بنية النص و تؤدي إلى تفسيره، وهـذا يجعل من التّداولية علما يعنى بالعلاقة بين النص و عناصر الموقف التواصلي المرتبطة به بشكل منظم، أو ما يطلق عليه: سياق النّص. وهـذا المفهوم التداولي يحيل على ما كان يشار إليه في البلاغة القديمة بعبارة: "مقتضى الحال"، وهي التي أنتجت المقولة الشهيرة في البلاغة العربية: "لكـل ّمقـام مقـال".
إن دراسة المقام كمكون حواري تقتضي دراسة "النظام القولي" بما يضمه من قرائن، كونها وسيلة من وسائل التحليل الأساسية، وهذه القرائن تعمل على كشف مجموع القيم المكونة للمقام أو مجموع المقامات الموزعة على مستوى النص. وقرائن الدراسة تتمثل في:
أولا : قرائن القول :  تظهر وضعية المتكلم على مستوى اللغة من خلال:
1- السمات الذاتية: تنقسم إلى: أسماء الإشارة: تحيلنا على المتخاطبين؛ أي ضمائر الشخص الأول (المرسل )، والشخص الثاني(المتلقي ). نظام الزمن:أو علامات التحديد الزمني: زمن الإلقاء ( الحكي )، وزمن وقوع الأحداث.
2- المخصصات : وهي العبارات التي تحيل إلى درجة ثقة المتكلم فيما سيقول ، وهي نفسها التي يؤثر بها في سامعه .
3- الأفعال الذاتية: هي الأفعال أوالصفات التي يظهر بها المتكلم أو صاحب النص رد فعله بألفاظ شعورية أو تقييمية لشئ ما.
ثانيا : قرائن التنظيم: الغرض الأول والأخير منها هو تبيان وتوضيح مدى تناسق الأقوال  الحجج وترتيبها على صعيدين:
1- الصعيد الخارجي: يظهر في شكل تقديم النص، ومن خلال العناوين خاصة.
2- الصعيد الداخلي: يكون فيه التّـركيز على " الرّوابط الحجاجيّة "، وعلى كلّ ما يدل على مناحي الحجاج، كعبارات "التقديم"، و"الانتقـال"، و"الاختتـام".
 ثالثا : قرائن المعجم:  وهي مفردات النّص الحجاجي النّاتجة عن التّقابل في وجهات النّظر، وتكون هذه المفردات متضادة نظرا لكونها تعكس تضادا في الأطروحــات، يرتبط بمختلف خصائص الشخصيات، كما تعكس أيضا موقف المؤلف من شخوصه، وذلك بأن يجعل لكل منها حقلا دلاليا خاصا بها يتماشى مع حالتها ومواقفها ،وواقعها المحيط بها.   
خــاتمة:
         إن المقاربة التداولية للنص التراثي تعد ضربا من المجازفة تتأتى خطورتها من اللامنهجية التي تتسم بها التداولية وانعدام الآليات التحليلية الموحدة التي يطمئن إليها الدارس، والتي تخرجها من باب المنهج إلى باب المقاربة. كما أن للنص التراثي خصوصيته البنائية والموضوعية كذلك، فنجدنا أمام كل نص تعلونا حيرة كبيرة: بأي المناهج نقاربه؟وإذا وفقنا إلى اختيار المنهج أو نوع الدراسة، تبرز عثرة خصوصية النص أمامنا التي تجعلنا أخيرا لا نؤمن بتوحد آليات التحليل، بل تعزز مبدأ المقاربة لدينا.
-         المصادر:
§         1.    عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، تحقيق: لويس شيخو، دار الشروق، بيروت،  لبنان، ط: 14، 1994.
-         المراجع:
§         2.    فيليب بلا نشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، ط1، 2007.
§         3.    فرانسواز أرمينكو، المقاربة التداولية، ت: سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، د م ط، دط، 1985.
§         4.    عمر بلخير، تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2003.
§         5.    محمد مصطفى أبو الشوارب، في اللغة والأدب، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، دط، 2003م، ( بحث: الاتجاه التداولي في البحث اللغوي المعاصر، للدكتور: محمود نحلة ).
§         6.    صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان،  مصر، مكتبة ناشرون، لبنان، ط1، 1996.
§         7.    محمد طروس، النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2005م.
§         8.     فان دايك، النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، ترجمة:  عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، المغرب، لبنان، دط، 2000م .
§         9.    طالب سيد هاشم الطبطبائي، نظرية الأفعال الكلامية بين فلاسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب، مطبوعات جامعة الكويت، 1994م .
§         10.           الجيلالي دالاش، مدخل إلى اللسانيات التداولية، ترجمة: محمد يحياتن، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992م.
§         11.           عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغير، مقاربة تداولية معرفية لآليات التواصل والحجاج، إفريقيا الشرق، المغرب، دط، 2006.
§         12.           طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدّار البيضاء، بيروت، ط1، 1998م.
§         13.          حبيب أعراب، الحجاج والاستدلال الحجاجي ((عناصر استقصاء نظري))، مجلة عالم الفكر، الكويت،  ع1، يوليو،  سبتمبر، 2001.
§         14.           محمد سالم ولد محمد الأمين، مفهوم الحجاج عند بيرلمان، وتطوّره في البلاغة المعاصرة، عالم الفكر، الكويت، ع2، يناير، مارس، 2000 م.


السبت، 30 يناير 2016

اللغة العربية : الخصائص اللسانية والأسلوبية


 
الباحث الدكتور فرحـان السـليـم (بتصرف)

أهميـة اللغــة :
اللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة. واللغة هي معجزة الفكر الكبرى. إن للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل أمة فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة ، وبها يتم التقارب والتشابه والانسجام بينهم. إن القوالب اللغوية التي توضع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تصاغ فيها المشاعر والعواطف لا تنفصل مطلقاً عن مضمونها الفكري والعاطفي .
إن اللغة هي الترسانة الثقافية التي تبني الأمة وتحمي كيانها. وقد قال فيلسوف الألمان فيخته : ((اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كلاً متراصاً خاضعاً لقوانين . إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان )) .
ويقول الراهب الفرنسي غريغوار : (( إن مبدأ المساواة الذي أقرته الثورة يقضي بفتح أبواب التوظف أمام جميع المواطنين، ولكن تسليم زمام الإدارة إلى أشخاص لا يحسنون اللغة القومية يؤدي إلى محاذير كبيرة، وأما ترك هؤلاء خارج ميادين الحكم والإدارة فيخالف مبدأ المساواة، فيترتب على الثورة - والحالة هذه - أن تعالج هذه المشكلة معالجة جدية؛ وذلك بمحاربة اللهجات المحلية، ونشر اللغة الفرنسية الفصيحة بين جميع المواطنين )) .
ويقول فوسلر : (( إن اللغة القومية وطن روحي يؤوي من حُرِمَ وطنَه على الأرض )) .
ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قلّبت أمر اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها .))
وقد صدر بيان من مجلس الثورة الفرنسية يقول : (( أيها المواطنون : ليدفع كلاً منكم تسابق مقدس للقضاء على اللهجات في جميع أقطار فرنسا لأن تلك اللهجات رواسب من بقايا عهود الإقطاع والاستعباد .))
أهمية اللغة العربية :
اللغة - عند العرب - معجزة الله الكبرى في كتابه المجيد .
لقد حمل العرب الإسلام إلى العالم، وحملوا معه لغة القرآن العربية واستعربت شعوب غرب آسيا وشمال إفريقية بالإسلام فتركت لغاتها الأولى وآثرت لغة القرآن، أي أن حبهم للإسلام هو الذي عربهم، فهجروا ديناً إلى دين، وتركوا لغة إلى أخرى .
لقد شارك الأعاجم الذين دخلوا الإسلام في عبء شرح قواعد العربية وآدابها للآخرين فكانوا علماء النحو والصرف والبلاغة بفنونها الثلاثة : المعاني ، والبيان ، والبديع .
وقد غبر دهر طويل كانت اللغة العربية هي اللغة الحضارية الأولى في العالم .
واللغة العربية أقدم اللغات التي ما زالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال، مع الاستطاعة في التعبير عن مدارك العلم المختلفة. ونظراً لتمام القاموس العربي وكمال الصرف والنحو فإنها تعد أمّ مجموعة من اللغات تعرف باللغات الأعرابية أي التي نشأت في شبه جزيرة العرب ، أو العربيات من حميرية وبابلية وآرامية وعبرية وحبشية، أو الساميات في الاصطلاح الغربي وهو مصطلح عنصري يعود إلى أبناء نوح الثلاثة : سام وحام ويافث. فكيف ينشأ ثلاثة أخوة في بيت واحد ويتكلمون ثلاث لغات ؟
إن اللغة العربية أداة التعارف بين ملايين البشر المنتشرين في آفاق الأرض، وهي ثابتة في أصولها وجذورها، متجددة بفضل ميزاتها وخصائصها .
إن الأمة العربية أمة بيان، والعمل فيها مقترن بالتعبير والقول، فللغة في حياتها شأن كبير وقيمة أعظم من قيمتها في حياة أي أمة من الأمم. إن اللغة العربية هي الأداة التي نقلت الثقافة العربية عبر القرون، وعن طريقها وبوساطتها اتصلت الأجيال العربية جيلاً بعد جيل في عصور طويلة، وهي التي حملت الإسلام وما انبثق عنه من حضارات وثقافات، وبها توحد العرب قديماً وبها يتوحدون اليوم ويؤلفون في هذا العالم رقعة من الأرض تتحدث بلسان واحد وتصوغ أفكارها وقوانينها وعواطفها في لغة واحدة على تنائي الديار واختلاف الأقطار وتعدد الدول. واللغة العربية هي أداة الاتصال ونقطة الالتقاء بين العرب وشعوب كثيرة في هذه الأرض أخذت عن العرب جزءاً كبيراً من ثقافتهم واشتركت معهم - قبل أن تكون ( الأونيسكو ) والمؤسسات الدولية - في الكثير من مفاهيمهم وأفكارهم ومثلهم، وجعلت الكتاب العربي المبين ركناً أساسياً من ثقافتها، وعنصراً جوهرياً في تربيتها الفكرية والخلقية .
إن الجانب اللغوي جانب أساسي من جوانب حياتنا، واللغة مقوم من أهم مقومات حياتنا وكياننا، وهي الحاملة لثقافتنا ورسالتنا والرابط الموحد بيننا والمكون لبنية تفكيرنا، والصلة بين أجيالنا، والصلة كذلك بيننا وبين كثير من الأمم .
إن اللغة من أفضل السبل لمعرفة شخصية أمتنا وخصائصها، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا. وهي البيئة الفكرية التي نعيش فيها، وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل. إنها تمثل خصائص الأمة، وقد كانت عبر التاريخ مسايرة لشخصية الأمة العربية، تقوى إذا قويت، وتضعف إذا ضعفت .
لقد غدت العربية لغة تحمل رسالة إنسانية بمفاهيمها وأفكارها، واستطاعت أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها، اعتبروها جميعاً لغة حضارتهم وثقافتهم فاستطاعت أن تكون لغة العلم والسياسة والتجارة والعمل والتشريع والفلسفة والمنطق والتصوف والأدب والفن .
واللغة من الأمة أساس وحدتها، ومرآة حضارتها، ولغة قرآنها الذي تبوأ الذروة فكان مظهر إعجاز لغتها القومية .
إن القرآن بالنسبة إلى العرب جميعاً كتاب لبست فيه لغتهم ثوب الإعجاز، وهو كتاب يشد إلى لغتهم مئات الملايين من أجناس وأقوام يقدسون لغة العرب، ويفخرون بأن يكون لهم منها نصيب .
وأورد هنا بعض الأقوال لبعض العلماء الأجانب قبل العرب في أهمية اللغة العربية . يقول الفرنسي إرنست رينان : (( اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة .))
ويقول الألماني فريتاغ : (( اللغة العربية أغنى لغات العالم )) .
ويقول وليم ورك : (( إن للعربية ليناً ومرونةً يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر. ))
ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام : (( العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة . ))
ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً .))
ويقول الدكتور طه حسين : (( إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً.))
خصائص اللغة العربية:
للعربية خصائص كثيرة يضيق المجال عن حصرها في هذه المحاضرة، لذا سأقتصر على بعضها تاركاً، لمن أراد التوسع، الرجوع إلى أمهات الكتب في هذا المجال .
1 – الخصائص الصوتيـة :
إن اللغة العربية تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، حيث تتوزع مخارج الحروف بين الشفتين إلى أقصى الحلق. وقد تجد في لغات أخرى غير العربية حروف أكثر عدداً ولكن مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر، كأن تكون مجتمعة متكاثرة في الشفتين وما والاهما من الفم أو الخيشوم في اللغات الكثيرة الغنة ( الفرنسية مثلاً)، أو تجدها متزاحمة من جهة الحلق .
وتتوزع هذه المخارج في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات. ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزعها وترتيبها فيها حدوث الانسجام الصوتي والتآلف الموسيقي. فمثلاً لا تجتمع الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال. ولا تجتمع الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد، ولا الحاء مع الهاء، ولا الهاء قبل العين، ولا الخاء قبل الهاء ، ولا النون قبل الراء ، ولا اللام قبل الشين .
وأصوات العربية ثابتة على مدى العصور والأجيال منذ أربعة عشر قرناً. ولم يُعرف مثل هذا الثبات في لغة من لغات العالم في مثل هذا اليقين والجزم. إن التشويه الذي طرأ على لفظ الحروف العربية في اللهجات العامية قليل محدود، وهذه التغيرات مفرقة في البلاد العربية لا تجتمع كلها في بلد واحد. وهذا الثبات، على عكس اللغات الأجنبية، يعود إلى أمرين : القرآن، ونزعة المحافظة عند العرب .
وللأصوات في اللغة العربية وظيفة بيانية وقيمة تعبيرية، فالغين تفيد معنى الاستتار والغَيْبة والخفاء كما نلاحظ في : غاب ، غار ، غاص ، غال ، غام. والجيم تفيد معنى الجمع : جمع ، جمل، جمد ، جمر. وهكذا .
وليست هذه الوظيفة إلا في اللغة العربية ، فاللغات اللاتينية مثلاً ليس بين أنواع حروفها مثل هذه الفروق، فلو أن كلمتين اشتركتا في جميع الحروف لما كان ذلك دليلاً على أي اشتراك في المعنى. فعندنا الكلمات التالية في الفرنسية مشتركة في أغلب حروفها وأصواتها ولكن ليس بينها أي اشتراك في المعنى
Ivre سكران oeuvre أثر أو تأليف ouvre يفتح livre كتاب lèvre شفة .
2 – الاشـتـقـاق :
الكلمات في اللغة العربية لا تعيش فرادى منعزلات بل مجتمعات مشتركات كما يعيش العرب في أسر وقبائل. وللكلمة جسم وروح، ولها نسب تلتقي مع مثيلاتها في مادتها ومعناها : كتب - كاتب - مكتوب - كتابة - كتاب.. فتشترك هذه الكلمات في مقدار من حروفها وجزء من أصواتها .
وتشترك الألفاظ المنتسبة إلى أصل واحد في قدر من المعنى وهو معنى المادة الأصلية العام. أما اللغات الأخرى كالأوروبية مثلاً فتغلب عليها الفردية . فمادة ( ب ن و ) في العربية يقابلها في الإنكليزية :
son ابن و daughter بنت. أما في الفرنسية فتأتي مادة ( ك ت ب ) على الشكل التالي : كتاب livre مكتبة عامة bibliothèque محل بيع الكتب librairie يكتب ècrire مكتب bureau .
وثبات أصول الألفاظ ومحافظتها على روابطها الاشتقاقية يقابل استمرار الشخصية العربية خلال العصور، فالحفاظ على الأصل واتصال الشخصية واستمرارها صفة يتصف بها العرب كما تتصف بها لغتهم، إذ تمكن الخاصة الاشتقاقية من تمييز الدخيل الغريب من الأصيل .
إن اشتراك الألفاظ ، المنتمية إلى أصل واحد في أصل المعنى وفي قدر عام منه يسري في جميع مشتقات الأصل الواحد مهما اختلف العصر أو البيئة، يقابله توارث العرب لمكارم الأخلاق والمثل الخلقية والقيم المعنوية جيلاً بعد جيل. إن وسيلة الارتباط بين أجيال العرب هي الحروف الثابتة والمعنى العام .
والروابط الاشتقاقية نوع من التصنيف للمعاني في كلياتها وعمومياتها، وهي تعلم المنطق وتربط أسماء الأشياء المرتبطة في أصلها وطبيعتها برباط واحد، وهذا يحفظ جهد المتعلم ويوفر وقته .
إن خاصة الروابط الاشتقاقية في اللغة العربية تهدينا إلى معرفة كثير من مفاهيم العرب ونظراتهم إلى الوجود وعاداتهم القديمة، وتوحي بفكرة الجماعة وتعاونها وتضامنها في النفوس عن طريق اللغة.
3 – خصائص الكلمة العربية ( الشكل والهيئة أو البناء والصيغة أو الوزن ) :
إن صيغ الكلمات في العربية هي اتحاد قوالب للمعاني تُصبُّ فيها الألفاظ فتختلف في الوظيفة التي تؤديها. فالناظر والمنظور والمنظر تختلف في مدلولها مع اتفاقها في أصل المفهوم العام الذي هو النظر. الكلمة الأولى فيها معنى الفاعلية والثانية المفعولية والثالثة المكانية .
وللأبنية والقوالب وظيفة فكرية منطقية عقلية. لقد اتخذ العرب في لغتهم للمعاني العامة أو المقولات المنطقية قوالب أو أبنية خاصة : الفاعلية - المفعولية - المكان - الزمان - السببية - الحرفة - الأصوات - المشاركة - الآلة - التفضيل - الحدث .
إن الأبنية في العربية تعلم تصنيف المعاني وربط المتشابه منها برباط واحد، ويتعلم أبناء العربية المنطق والتفكير المنطقي مع لغتهم بطريقة ضمنية طبيعية فطرية .
وللأبنية وظيفة فنية، فقوالب الألفاظ وصيغ الكلمات في العربية أوزان موسيقية، أي أن كل قالب من هذه القوالب وكل بناء من هذه الأبنية ذو نغمة موسيقية ثابتة. فالقالب الدال على الفاعلية من الأفعال الثلاثية مثلاً هو دوماً على وزن فاعل والدال على المفعولية من هذه الأفعال على وزن مفعول .
وإن بين أوزان الألفاظ في العربية ودلالاتها تناسباً وتوافقاً، فصيغة ( فعّال) لمبالغة اسم الفاعل تدل بما فيها من تشديد الحرف الثاني على الشدة أو الكثرة، وبألف المد التي فيها على الامتداد والفاعلية الخارجية .
وتتميز اللغة العربية بالموسيقية فجميع ألفاظها ترجع إلى نماذج من الأوزان الموسيقية، والكلام العربي نثراً كان أم شعراً هو مجموع من الأوزان ولا يخرج عن أن يكون تركيباً معيناً لنماذج موسيقية .
وقد استثمر الشعراء والكتاب العرب هذه الخاصة الموسيقية فقابلوا بين نغمة الكلام وموضوعه مقابلة لها أثر من الوجهة الفنية. فمثلاً يقول النابغة الذبياني :
ميلــــوا إلى الــدار مـن ليلى نحييـهـــا نـعــم ونســـألهـا عن بعــض أهليـهــــا
حيث ينقلك إلى جو عاشق يهيم ويتأمل وتهفو نفسه برقة وحنان إلى آثار الحبيب بما في البيت من نعومة الحروف وكثرة المدود وحسن توزعها وجمال تركيب الألفاظ .
ويقول البحتري متحدثاً عن الذئب :
عوى ثـــم أقـعــى فارتجــزت فهجتـــــه فأقـبــــل مثــــل البـرق يتبعه الرعد
فينقل تتابع حركات الذئب السريع في ألفاظ قصيرة الأوزان متوالية الحركات .
وقد بلغت هذه الخاصة الموسيقية ذروتها في التركيب القرآني، فأنت تحس، مثلاً في سورة العاديات ، عدو الخيل : (( والعاديات ضبحاً. فالموريات قدحاً. فالمغيرات صبحاً. فأثرن به نقعاً. فوسطن به جمعاً )).
وكان لأوزان الألفاظ أثر في جمال الكتابة العربية، فالكلمات التي على وزن واحد تتشابه ألفاظها الكتابية مثل الكلمات على وزن فاعل أو على وزن مفعول. إن هذه الكلمات في التركيب يكون منها ما يشبه الزخارف العربية .
وتتأرجح الصيغ بين الثبات والتطور، والثبات غالب ولا يسبب هذا جمود العربية، فإن لها على حالتها الحاضرة من الصيغ والأبنية غنى لا تضارعها فيه لغة أخرى من اللغات الراقية التي تفي بحاجات الإنسان في مثل هذا العصر .
إن الإخلال بهذه الأبنية وإفسادها إفساد لنظام اللغة، فلذلك كان العرب إذا أدخلوا كلمة أعجمية احتاجوا إليها صاغوها على نماذج ألفاظهم وبنوها على أحد أبنيتهم وجعلوها على أحد أوزانهم .
وبين العربية والطبيعة صلة وثقى، فالأجسام في الطبيعة على كثرتها ترجع إلى عناصر بسيطة محدودة العدد تتشابه وتختلف بحسب تشابه تركيب مادتها واختلافه. وكذلك اللغة العربية ترجع كلماتها التي لا تكاد تحصى إلى عناصر محدودة ثابتة هي الحروف. وفي الطبيعة تشابه ونمطية وتكرر، فللشجرة مهما كان نوعها أوراق وأغصان جذع وثمر. وفي اللغة أيضاً تشابه بين أبنية الفاعلين والمفعولين والمكان والزمان. ولكل فرد من أفراد الجنس الواحد في الطبيعة ذاتيته مع مشابهته لسائر أفراد الجنس. وكذلك للفظ ذاتيته مع مشابهته لسائر الألفاظ المشتركة معه في الأصل أو البناء والصيغة. وفي الطبيعة تسلسل وتوارث يقابله تسلسل وتوارث في اللغة. وفي الطبيعة محافظة وتجديد، وكذلك في اللغة محافظة وتجديد أيضاً .
4 – التعـريـب :
يتشابه نظام العربية مع نظام المجتمع العربي. فكما يرتبط أفراد المجتمع العربي وقبائله بصلات القربى والنسب والتضامن والتعاون، ترتبط ألفاظها في نسق خاص في حروفها وأصواتها، ومادتها وتركيبها ، وهيئتها وبنائها .
وحين يدخل غريب على المجتمع فلا بد لـه لكي يصبح عضواً فيه من أن يلتزم بأخلاقه وعاداته، فكذلك اللفظة الأعجمية إذا دخلت يجب أن تسير على أوزان العربية وهيئاتها وصيغها لكي تصبح عضواً كامل العضوية في الأسرة اللغوية .
ويُستعمل في العربية مصطلح التعريب بينما في اللغة الأجنبية استعارة
emprunt. والتعريب أحد مظاهر التقاء العربية بغيرها من اللغات على مستوى المفردات.
وكانت الألفاظ الدخيلة في العصر الجاهلي قليلة محدودة تتصل بالأشياء التي لم يعرفها العرب في حياتهم. وهي محصورة في ألفاظ تدل على أشياء مادية لا معنوية مثل : كوب - مسك - مرجان - درهم.. وتعود قلة الدخيل إلى سببين : انغلاقهم على أنفسهم واعتدادهم بأنفسهم وبلغتهم .
أما بعد الإسلام فقد اتصلت العربية باللغات الأخرى فانتقلت إليها ألفاظ جديدة تتعلق كلها بالمحسوسات والماديات مثل أسماء الألبسة والأطعمة والنباتات والحيوان وشؤون المعيشة أو الإدارة. وقد انعدم التأثير في الأصوات والصيغ والتراكيب .
إن هذا الداخل على الغالب لم يبق على حاله بل صيغ في قالب عربي، ولذلك كانت المغالاة والإكثار من الغريب وفسح المجال من غير قيد مظهراً من مظاهر النـزعة الشعوبية في الميدان اللغوي قديماً وحديثاً .
وكانت طريقة العرب في نقل الألفاظ الأجنبية أو التعريب تقوم على أمرين :
أ – تغيير حروف اللفظ الدخيل، وذلك بنقص بعض الحروف أو زيادتها مثل :
برنامه ـــــــــــــــــــــ> برنامج         -           بنفشه ـــــــــــــــــــــ> بنفسج
أو إبدال حرف عربي بالحرف الأعجمي :
بالوده ـــــــــــــــــــــ> فالوذج           -                 برادايس ـــــــــــــــــــــ> فردوس
ب – تغيير الوزن والبناء حتى يوافق أوزان العربية ويناسب أبنيتها فيزيدون في حروفه أو ينقصون، ويغيرون مدوده وحركاته، ويراعون بذلك سنن العربية الصوتية كمنع الابتداء بساكن، ومنع الوقوف على متحرك ، ومنع توالي ساكنين ...
وأكثر ما بقي على وزنه وأصله من الألفاظ هو من الأعلام : سجستان – رامهرمز..
أما دليلهم إلى معرفة الدخيل فهو إحدى ثلاث طرق :
أ – فقدان الصلة بينه وبين إحدى مواد الألفاظ العربية :
بستان : ليس في العربية مادة بست .
ب – أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في الكلمة العربية :
ج ق جوسق – ج ص جَِصّ – ج ط طازج ...
ج – أن أن تكون على وزن ليس في العربية :
إِبْرَيْسَم إفعيلل – آجر فاعُلّ ..
(أحسن الحرير )
5 – خصائص معانـي الألفـاظ العربيـة :
تقوم طريقة العربية في وضع الألفاظ وتسمية المسميات على الأمور التالية :
أ - اختيار صفة من صفات الشيء الذي يراد تسميته أو بعض أجزائه أو نواحيه أو تحديد وظيفته وعمله واشتقاق لفظ يدل عليه .
ب - تحتفظ العربية بالمعاني الأصلية الدالة على أمثال هذه المسميات ، فألفاظها معللة على عكس غيرها من اللغات التي لا تحتفظ بهذه المعاني .
ج - الإشارة إلى أخص صفات المسمى وأبرزها أو إلى عمله الأساسي ووظيفته، على عكس اللغات الأجنبية التي تشير إلى ظاهره وشكله الخارجي أو تركيبه وأجزائه. فمثلاً تسمية الدراجة في العربية تشير إلى وظيفتها وعملها وحركتها. أما في الفرنسية فإن
bicyclette (ذات الدولابين) تشير إلى أجزائها وتركيبها وحالتها الساكنة. ومثل ذلك السيارة التي تشير تسميتها إلى عملها بينما في الفرنسية كلمة automobile تعني المتحرك بنفسه.
ويظهر تفكير العرب وحياتهم واضحين جليين في مفردات لغتهم، فكلمة العامل، مثلاً بعد الإسلام، أخذت معنى الوالي والحاكم، وهذا يدل على أن الولاية عمل من الأعمال وليست استبداداً، وأن الحكم تكليف وليس تشريفاً. ولفظ ( المرأ ) للمذكر و (المرأة) للمؤنث يدل على تساوي الرجل والمرأة عندهم في الأصل. والمروءة هي الصفات المستحسنة المأخوذة من أخلاق الإنسان ذكراً كان أو أنثى .
وللغة العربية طريقة في تصنيف الموجودات، فمفرداتها تدل على أن العرب صنفوا الوجود تصنيفاً شاملاً دقيقاً منطقياً يدعو إلى الدهشة والتعجب، ويدل على مستوى فكري قلما وصلت إليه الأمم في مثل هذا الطور المبكر من تاريخ حياتها .
وهناك ألفاظ تدل على الموجودات بمجموعها مثل ( العالَم) و (العالَمين ) فهي تشتمل على الخلق كله. وكذلك الشهادة ( الحس) وعكسه الغيب .
وتظهر في الألفاظ العربية أنواع الموجودات كالنبات والحيوان. ويتضمن الحيوانُ الإنسانَ والوحوش والطير والسباع والهوامَّ والسوائم والحشراتِ والجوارحَ والبغاث .
وتظهر أيضاً الأخلاق والمشاعر كالمكارم والمثالب، والمحاسن والمساوئ ، والفرح والحزن، والحسيات والمجردات .
ولم تقتصر العربية على الحسيات كما تقتصر كل لغة في طورها الابتدائي. فبالإضافة إلى ما فيها مما لا يكاد يحصى من الألفاظ الدالة على الحسيات لم تهمل المعنويات والمجردات. إننا نجد في العربية سعة وغزارة في التعبير عن أنواع العواطف والمشاعر الإنسانية. كما أنهها اشتملت على الكلمات الدالة على الطباع والأفعال والمفاهيم الخلقية. واشتملت كذلك على المفاهيم الكلية والمعاني المجردة. لقد جمع العرب في لغتهم بين الواقعية الحسية والمثالية المعنوية ، فالمادية دليل الاتصال بالواقع ، والتجريد دليل ارتقاء العقل .
ولها باع في الدقة والخصوص والعموم، إذ تمتاز برقة تعبيرها والقدرة على تمييز الأنواع المتباينة، والأفراد المتفاوتة، والأحوال المختلفة سواء في ذلك الأمور الحسية والمعنوية. فإذا رجعنا إلى معاجم المعاني وجدنا أموراً عجباً. فتحت المشي الذي هو المعنى العام أنواع عديدة من المشي :
درج       حبا      حجل      خطر      دلف      هدج      رسف      اختال      تبختر      تخلج
أهطع      هرول      تهادى      تأود...
والأمثلة كثيرة في كتب معاجم المعاني كفقه اللغة للثعالبي وهو مجلد صغير، والمخصص لابن سيده الذي يقع في 17 جزءاً .
ومن ضروب الدقة ما يظهر في اقتران الألفاظ بعضها ببعض، فقد خصص العرب ألفاظاً لألفاظ ، وقرنوا كلمات بأخرى ولم يقرنوها بغيرها ولو كان المعنى واحداً.
فقد قالوا في وصف شدة الشيء : ريح عاصف - برد قارس - حر لافح .
وفي وصف اللين : فراش وثير - ثوب لين - بشرة ناعمة - غصن لدن .
وكذلك في الوصف بالامتلاء، والوصف بالجدة، والوصف بالمهارة في الكتابة والخطابة والطب والصنعة ووصف الشيء بالارتفاع الحقيقي أو المجازي وغيرها وغيرها .
لا شك أن هذا التخصص في تراكيب العربية في النعت والإضافة والإسناد نوع من الدقة في التعبير، لأن هذه الألفاظ المخصصة ببعض المعاني والأحوال توحي إلى السامع الصورة الخاصة التي تقترن معها. فلفظ باسق يوحي إلى الذهن معنى الارتفاع وصورة الشجرة معاً، كما توحي كلمة وثير معنى اللين وصورة الفراش. وكثيراً ما يحتاج المتكلم إلى أن ينقل إلى مخاطبه هذه المعاني والصور متلازمة مقترنة ليكون أصدق تصويراً وأدق تعبيراً وأقدر على حصر الصورة المنقولة وتحديدها .
وفي العربية منـزلة للتخصيص والدقة والتعميم، فلا ينطبق عليها وصف الابتدائية لكثرة ما فيها من الألفاظ الدالة على الكليات والمفاهيم والمعاني العامة والمجردة . وما فيها من الدقة والتخصيص قرينة على أن أصحابها بلغوا درجة عالية في دقة التفكير ومزية وضوح الذهن وتحديد المقصود والدلالة. والمستعرض للشعر الجاهلي يجد نماذج من الوصف تتضمن الجزئيات والتفصيلات في الألوان والأشكال والحركات والمشاعر إلى جانب شعر الحكم الذي يتضمن قواعد عامة في الحياة ومعاني عالية من التعميم والتجريد .
إن دقة التعبير والتخصيص سبيل من سبل تكوين الفكر العلمي الواضح المحدد .
والتخصيص اللغوي والدقة في التعبير أداة لا بد منها للأديب لتصوير دقائق الأشياء وللتعبير عن الانفعالات والمشاعر والعواطف .
لقد ألف اللغويون العرب مؤلفات خاصة بإبراز الفروق بين الألفاظ مثل : الفروق لأبي هلال العسكري، وأدب الكاتب لابن قتيبة ، وفقه اللغة وأسرار العربية للثعالبي. ونجد مثل هذه الدقة في الوصف عند كثير من كتاب العربية في مختلف العصور ولا سيما في القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام .
وفي العربية عموم وألفاظ عامة إذ يحتاج الإنسان في مراحل ارتقائه الفكري إلى ألفاظ دالة على معان عامة سواء في عالم المادة أو في عالم المعنويات. وسدت اللغة العربية هذه الحاجة، وأمدت المتكلم بما يحتاج إليه وبذلك استطاعت أن تكون لغة الفلسفة كما كانت لغة العلم والفن والشعر .
6 – الإيجــاز :
الإيجاز صفة واضحة في اللغة العربية . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أوتيت جوامع الكلم )). ويقول العرب (( البلاغة الإيجاز )) و (( خير الكلام ما قلّ ودلّ )). وفي علم المعاني إيجاز قصر وإيجاز حذف .
الإيجاز في الحرف : والإيجاز في العربية على أنواع ، فمنها الإيجاز في الحرف، حيث تكتب الحركات في العربية عند اللبس فوق الحرف أو تحته بينما في اللغات الأجنبية تأخذ حجماً يساوي حجم الحرف أو يزيد عليه. وقد نحتاج في اللغة الأجنبية إلى حرفين مقابل حرف واحد في العربية لأداء صوت معين كالخاء (KH) مثلاً ولا نكتب من الحروف العربية إلا ما نحتاج إليه، أي ما نتلفظ به، وقد نحذف في الكتابة بعض ما نلفظ : لكن - هكذا - أولئك. بينما في الفرنسية نكتب علامة الجمع ولا نلفظها، وأحياناً لا تلفظ نصف حروف الكلمة. ونكتب في الإنكليزية حروفاً لا يمر اللسان عليها في النطق ، كما في كلمة (right) مثلاً التي نسقط عند النطق بها حرفين من حروفها (gh) نثبتهما في كتابتها .
وفي العربية إشارة نسميها ( الشدة )، نضعها فوق الحرف لندل على أن الحرف مكرر أو مشدد، أي أنه في النطق حرفان، وبذلك نستغني عن كتابته مكرراً، على حين أن الحرف المكرر في النطق في اللغة الأجنبية مكرر أيضاً في الكتابة على نحو (
frapper) و (recommondation) .
ونحن في العربية قد نستغني كذلك بالإدغام عن كتابة حروف بكاملها، وقد نلجأ إلى حذف حروف. فنقول ونكتب ( عَمَّ ) عوضاً عن ( عن ما ) و ( مِمَّ ) عوضاً عن ( من ما ) و (بِمَ) عوضاً عن ( بما ) ومثلها ( لِمَ ) عوضاً عن ( لِما ) .
الإيجاز في الكلمات : وبمقارنة كتابة بعض الكلمات بين العربية والفرنسية والإنكليزية نجد الفرق واضحاً :
العربية وحروفها
الفرنسية وحروفها
الإنكليزية وحروفها
أم 2
mère  4
mother 6
أب 2
père 4
father 6
أخ 2
frère 5
brother   7
وليست العربية كاللغات التي تهمل حالة التثنية لتنتقل من المفرد إلى الجمع، وهي ثانياً لا تحتاج للدلالة على هذه الحالة إلى أكثر من إضافة حرفين إلى المفرد ليصبح مثنى، على حين أنه لا بد في الفرنسية من ذكر العدد مع ذكر الكلمة وذكر علامة الجمع بعد الكلمة :
الباب البابان - البابين
les deux portes   the two doors
الإيجاز في التراكيب : والإيجاز أيضاً في التراكيب ، فالجملة والتركيب في العربية قائمان أصلاً على الدمج أو الإيجاز . ففي الإضافة يكفي أن تضيف الضمير إلى الكلمة وكأنه جزء منها :
كتابه
son livre كتابهم leur livre
وأما إضافة الشيء إلى غيره فيكفي في العربية أن نضيف حركة إعرابية أي صوتاً بسيطاً إلى آخر المضاف إليه فنقول كتاب التلميذ ومدرسة التلاميذ، على حين نستعمل في الفرنسية أدوات خاصة لذلك فنقول :
le livre de l’élève ، l’école des élèves .
وأما في الإسناد فيكفي في العربية أن تذكر المسند والمسند إليه وتترك لعلاقة الإسناد العقلية المنطقية أن تصل بينهما بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فنقول مثلاً ( أنا سعيد ) على حين أن ذلك لا يتحقق في اللغة الفرنسية أو الإنكليزية ، ولا بد لك فيهما مما يساعد على الربط فتقول :
(
je suis heureux ) ، ( I am happy ) .
وتستعمل هاتان اللغتـان لذلك طائفـة من الأفعـال المساعدة مثل (
avoir , étre) في الفرنسـية و (to have , to be) في الإنكليزية .
كما أن الفعل نفسه يمتاز في العربية باستتار الفاعل فيه أحياناً، فنقول (أكتب) مقدرين الفاعل المستتر، بينما نحتاج إلى البدء به منفصلاً دوماً مقدماً على الفعل كما هو الأمر في الفرنسية (
je-tu…) وفي الإنكليزية (I , you ...). وكذلك عند بناء الفعل للمجهول يكفي في العربية أن تغير حركة بعض حروفه فتقول : كُتب على حين نقول بالفرنسية ( il a été écrit ) وفي الإنكليزية ( it was written ) .
وفي العربية إيجاز يجعل الجملة قائمة على حرف : فِ ( وفى يفي )، و (ع) من وعى يعي، و ( ق ) من وفى يفي، فكل من هذه الحروف إنما يشكل في الحقيقة جملة تامة لأنه فعل وقد استتر فيه فاعله وجوباً .
وفي العربية ألفاظ يصعب التعبير عن معانيها في لغة أخرى بمثل عددها من الألفاظ كأسماء الأفعال .
نقول في العربية : ( هيهات ) ونقول في الإنكليزية (
it is too far )
( شتان ) (
there is a great difference )
وحرف الاستقبال مثل : ( سأذهب ) (
I shall go )
والنفي أسلوب في العربية يدل على الإيجاز :
العربية : ( لم أقابله ) ، الإنكليزية : (
I did not meet him )
الفرنسية : (
Je ne l’ai pas rencontré )
العربية : ( لن أقابله ) ، الإنكليزية : (
I will never meet him )
الفرنسية : (
Je ne le rencontrerai jamais )
الإيجاز في اللغـة المكتوبـة :
فمثلاً سورة ( الفاتحة ) المؤلفة في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة .
ويقول الدكتور يعقوب بكر في كتاب ( العربية لغة عالمية : نشر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة 1966 ) : (( إذا ترجمنا إلى العربية كلاماً مكتوباًُ بإحدى اللغات الأوروبية كانت الترجمة العربية أقل من الأصل بنحو الخمس أو أكثر .))
أثر اللغة العربية في اللغات الأخرى :
إن الكلمات العربية في اللغات الإسلامية : الفارسية والتركية والأوردية والمالاوية والسنغالية أكثر من أن تحصى. والكلمات العربية في الإسبانية والبرتغالية ثم في الألمانية والإيطالية والإنكليزية والفرنسية ليست قليلة أيضاً .
لقد التقت العربية بالفارسية والسريانية والقبطية والبربرية. وكان عندها أسباب القوة، فهي لغة القرآن، وتتميز ببناء قوي محكم، وتملك مادة غزيرة .
لقد حملت رسالة الإسلام فغنيت بألفاظ كثيرة جديدة للتعبير عما جاء به الإسلام من مفاهيم وأفكار ونظم وقواعد سلوك. وأصبحت لغة الدين والثقافة والحضارة والحكم في آن واحد .
غزت العربية اللغات الأخرى كالفارسية والتركية والأوردية والسواحلية فأدخلت إليها حروف الكتابة وكثيراً من الألفاظ. وكان تأثيرها في اللغات الأخرى عن طريق الأصوات والحروف والمفردات والمعاني والتراكيب .
وأدى اصطدام العربية باللغات الأخرى إلى انقراض بعض اللغات وحلول العربية محلها كما حصل في العراق والشام ومصر, وإلى انزواء بعضها كالبربرية وانحسار بعضها الآخر كالفارسية .
لقد أصبحت لغات الترك والفرس والملايو والأوردو تكتب جميعها بالحروف العربية . وكان للعربية الحظ الأوفر في الانبثاث في اللهجات الصومالية والزنجبارية لرجوع الصلة بين شرق إفريقيا وجزيرة العرب إلى أقدم عصور التاريخ .
التحديات أمام اللغة العربية :
سأل طالب في بيروت أستاذه عن المعنى العربي لمصطلح أجنبي, فقال لـه الأستاذ : وهل العربية لغة ؟!
لقد اتخذت محاولات الطعن في العربية أشكالاً ومظاهر شتى, فهي تلبس تارة ثوب الطعن في الأدب القديم وصحته, وتظهر تارة بمظهر تشجيع اللهجات المحلية لتفتيت اللغة الواحدة وتمزيق الناطقين بها, وتارة تلبس ثوب الثورة على القديم والدعوة إلى التجديد. فمن مناد بالتمرد على الأسلوب العربي القديم, وهو لا يتمرد في حقيقته على قِدَم الأسلوب وإنما يتمرد على صحة اللغة وسلامتها, ومن قائل بضيق العربية وقصر باعها عن مواكبة الحضارة, ومن مصرح بهجر الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني, ومن داع إلى تغيير القواعد.. ومن داعٍ للاعتراف بالعلمية وما فيها من أدب وفن .! ويلبس كل ذلك ثوب الإصلاح اللغوي .
وبلغ الأمر بأحدهم أنه لا يرى سبباً لهزيمة العرب إلا لغتهم الفصحى, أو يراها من أسباب هزيمتهم. وثان نظر إلى تخلف العرب العلمي في عصر الذرة فأعلن أنه لا يرى لهذا سبباً غير تمسك العرب بلغتهم في مراحل التعليم عامة والتعليم العالي منها خاصة. وثالث لم يجد داء عند العرب أخطر من بقاء الحروف العربية في أيدي أصحابها, فدعا إلى نبذها وإحلال الحروف اللاتينية محلها.
ودعا آخرون إلى اللهجات المحلية وتشجيع دراسة تلك اللهجات باسم البحث العلمي في علم اللغة وفقهها, كما دعوا إلى العامية ودراستها. وما هذا إلا دعوةٌ مفرقة ممزقة بطريقة علمية في عصر تبحث فيه الأمة عن وحدتها وترفع فيه شعار قوميتها. ولقد تأسى كثير من أصحاب هذه الدعوات بما فعله مصطفى كمال أتاتورك في تركية حين نبذ الحروف العربية وكتب اللغة التركية بالحروف اللاتينية فقطع بذلك كل صلة للشعب التركي بمحيطه الشرقي والعربي والإسلامي ظناً منه أن ذلك يجعل تركية في صدارة العالم المتقدم .
ويقول الإنكليزي ( ويلكوكس ) : (( إن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لدى المصريين هو استخدامهم اللغة العربية الفصحى في القراءة والكتابة )). وما يزال أحد الشوارع في حي (الزمالك) بالقاهرة يحمل اسمه .
ودفعت هذه الاتهامات أحد المفكرين إلى أن يصرخ من المرارة : (( من حق إسرائيل أن تحيي العبرية الميْتة, ومن واجبنا أن نميت العربية الحية )). ويقول الدكتور عمر فروخ في هذا المعنى : (( أعجب من الذين يدرسون اللغات الميْتة, ثم يريدون أن يميتوا لغة حية كالعربية .))
إن من يراجع الوثائق التي بدأت بها عملية الاحتلال البريطاني لمصر يكتشف أن أول أعمال الاحتلال هو وضع الخطة لحطم اللغة، يبدو ذلك واضحاً في تقرير لورد دوفرين عام 1882 حين قال : إن أمل التقدم ضعيف ( في مصر) ما دامت العامة تتعلم اللغة العربية الفصيحة .
وقد توالت هذه الحرب ليس في مصر وحدها بل في الشام والمغرب بأقطاره كلها في محاولات قدمها كرومر وبلنت من ناحية ولويس ماسينيون وكولان في المغرب. ثم تقدم رجال يحملون أسماء عربية للعمل بعد أن مهد لهم الطريق ويلكوكس والقاضي ديلمور، وحيل بين اللغة العربية وبين أحكام المحاكم المختلطة والأجنبية .
وكان التعليم في البلاد العربية المحتلة يتم كله باللغات الأجنبية ( الإنجليزية في مصر والسودان والعراق ) والفرنسية في (سورية وتونس والجزائر والمغرب)، فقد كانت لحظة النفوذ الأجنبي ترمي إلى :
أولاً : تحويل أبجدية اللغات الإقليمية إلى اللاتينية وكانت تكتب أساساً بالحروف العربية ، كما حدث في إندونيسيا وبعض بلاد إفريقية وآسية .
ثانياً : تقديم اللغات الأجنبية في الأقطار الإسلامية على اللغة العربية .
ثالثاً : تقديم اللهجات واللغات المحلية وتشجيعها والدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية.
رابعاً : ابتعاث الطلاب إلى الغرب لدراسة لغاته، وكان ذلك إيماناً بأن اللغة هي الوجه الثاني للفكر، وأن من يجيد لغة لا بد أن يعجب بتاريخها وفكرها ويصير له انتماء من نوع ما إلى هذه الأمة .
وكانت الحملة على اللغة العربية الفصحى من خلال حجج ضعيفة واهية منها : صعوبة اللغة، ومنها التفاوت بينها وبين العامية .
وكان فرض اللغات الأجنبية في مختلف أقطار الأمة الإسلامية عاملاً هاماً في فرض ثقافاتها ووجهة نظر أهلها وفي الوقوف موقف الإعجاب بالغاصب والعجز عن مواجهته. ومن يدرس تجارب التعليم الغربي في البلاد العربية يجد الولاء الواضح للنفوذ الغربي .
وفي البلاد الإسلامية غير العربية فعل الأجنبي فعله في إفريقية وآسيا خاصة ففي إفريقية عمد الإنجليز في نيجيريا إلى نقل حروف اللغات المحلية من العربية إلى الحروف اللاتينية فضلاً عن عملية القضاء على كتب التراث الإسلامي التي تعرضت للحريق للقضاء على كل أثر علمي عربي بعد قطع التيار الحضاري العربي القادم من شمال إفريقية ومصر .
وفي غرب إفريقية عمد الاستعمار الفرنسي إلى القضاء على العربية بعد معركة مع اللغة العربية في الجزائر خلال مائة عام كاملة .
وقد جاء هذا كله بعد أن بلغت اللغة العربية كل وصف حتى أصبحت لغة التخاطب بين قبائل نصف القارة كما أشار إلى ذلك ( توماس أرنولد) في كتابه (( الدعوة إلى الإسلام ))، وبعد أن كانت بعوث إفريقية ترسل إلى مكة المكرمة والأزهر أصبحت ترسل إلى الغرب .
وبعد أن كانت اللغة العربية قد شاركت بحروفها وألفاظها في كل اللغات الأساسية في إفريقية وهي الهوسا والماندنجو والوولوف والسواحلية والصومالية ولغات النيجر والدناكل في إثيوبيا وإرتيريا، عمد النفوذ الأجنبي إلى إيقاف كل ذلك وإحياء الثقافات الإفريقية القديمة وصبغها بصبغة إقليمية تساعد على إثارة التعصب وإقامة القوميات المحدودة المحلية في نطاق قبلي ليستغلوا هذه الروح في إقامة سد مرتفع في وجه انتشار اللغة العربية مع نشر الثقافة الإنجليزية والفرنسية من خلال اللغتين ليتحقق الاستعمار الثقافي الكامل .
وهكذا أصبحت اللغتان الإنجليزية والفرنسية - كل في منطقة سيطرتها - لغة أساسية في مراحل التعليم المختلفة، وغلبت اللهجات القومية ولغة المستعمر ليس على مناهج التعليم فحسب بل على أعمال المصارف والمحاكم والدواوين .
أما في آسيا فقد استطاعت اللغات الأجنبية في جنوب شرق آسيا ( الملايو - إندونيسيا - تايلاند ) السيطرة ، وتراجعت اللغة العربية ثم تراجعت الحروف العربية أيضاً في تركيا وإندونيسيا.
وفي إندونيسيا وأرخبيل الملايو نجد الصورة قاتمة، فقد تعرضت إندونيسيا بعد الاستقلال للتحديات في مجال اللغة فكتبت اللغة الأندونيسية بالخط الروماني (اللاتيني) بدلاً من الخط العربي المحلي، وأصبحت العربية لغة أجنبية لا يقرؤون ولا يكتبون بها، وأصبح العدد الأكبر قادراً على أن يقرأ اللغات الغربية وخاصة الإنجليزية .

وإذا أردنا حصر التحديات التي واجهتها اللغة العربية فإننا نلخصها بالتالي :
× استبدال العامية بالفصحى .
× تطوير الفصحى حتى تقترب من العامية .
× الهجوم على الحروف العربية والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية .
× إسقاط الإعراب في الكتابة والنطق .
× الدعوة إلى إغراق العربية في سيل من الألفاظ الأجنبية .
× محاولة تطبيق مناهج اللغات الأوروبية على اللغة العربية ودراسة اللهجات والعامية .
المــواجـــهــــة :
وقبل الدخول في المواجهة علينا أن نشخص الأمراض التي نعاني منها على المستوى اللغوي فالتشخيص نصف العلاج .
إن التردي في عصور الانحطاط كان عاملاً من عوامل ضعفنا اللغوي، وهذا التردي لم يكن مقصوراً على العامة من الناس بل شمل العلماء والفقهاء حتى كان يعجز الكثير منهم عن كتابة رسالة خالية من العجمة، بريئة من الركاكة أو العامية، سليمة من الخطأ. وكانت دروس الفقه والدين بل دروس النحو والبلاغة تلقى بلغة مشوبة بالعامية منحطة عن الفصحى. أما أساليب العرب الفصيحة والكلام البليغ فقد كانوا بعيدين عنه كل البعد، وكل ما تصبو إليه النفوس وترتفع إليه المطامح أن يقلد الكاتب أسلوب الحريري في مقاماته أو القاضي الفاضل في رسائله ومكاتباته .
لقد اختفت الفروق اللغوية وأصبحت الألفاظ المتقاربة مترادفة. ولم يبق الترادف مزية من مزايا العربية بل مرضاً من أمراضها الوافدة المنتشرة، وغلب على الناس استعمال الألفاظ في معانيها العامة فضاعت من اللغة بل من التفكير مزية الدقة التي عرفت بها العربية في عصورها السالفة، وأدى ذلك إلى تداخل معاني الألفاظ حين فَقَدت الدقة واتصفت بالعموم، وفقد الفكر العربي الوضوح حين فقدته اللغة نفسها، واتصفت بالغموض ، وانفصلت الألفاظ عن معانيها في الحياة وأصبحت عالماً مستقلاً يعيش الناس في جوه بدلاً من أن يعيشوا في الحياة ومعانيها .
إن الموقف يلقي أمامنا مشكلة النهوض باللغة العربية وقدرتها على الوفاء بحاجات أهلها في هذه الحياة الجديدة سواء في ميدان العلوم أو الفن أو الأدب بأغراضه وآفاقه الحديثة، أو في ميدان الحياة العملية بما فيها من مستحدثات لا ينقطع سيلها. كما يدفعنا باتجاه التحرر من آثار عصور الانحطاط من جهة ومن التقليد الأجنبي والعجمة الجديدة التي أورثنا إياها عصر الاستعمار والنفوذ الأجنبي من جهة أخرى .
إن المطلوب تكوين وعي لغوي صحيح يساير وعينا السياسي والفكري بل هو الأساس لتكوين تفكيرنا تكويناً صحيحاً، والأخذ بأيدينا نحو الوحدة اللغوية والتحرر اللغوي والقضاء على التجزئة والشعوبية أو النفوذ الأجنبي في ميدان اللغة والفكر .
إن التعليم الجامعي العلمي خاصة في كثير من أقطار العروبة ما زال باللغات الأجنبية : فهو إنكليزي في أقطار ، فرنسي في أقطار، روسي في أقطار، ولا توجد صيدلة عربية ولا طب عربي .
وما زال هناك إلى الآن من يجادل لإبقاء تدريس العلوم باللغات الأجنبية . لقد انقسم العرب إبان عهد الاستعمار إلى مجموعتين : الأولى هي الدول التي حافظت على اللغة العربية طوال فترات الاحتلال، ولكن العجب أن تتصاعد فيها آراء تشكك في صلاحية اللغة العربية لاحتواء العلوم الحديثة، والثانية هي مجموعة الدول التي استطاع المستعمر فرض لغته عليها، وهي على العكس بذلت جهوداً مضنية لاستعادة مكانة اللغة العربية. ومنذ سنوات ظهرت حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس في محطة الجزيرة القطرية الفضائية كان موضوعها عن صلاحية اللغة العربية في تدريس العلوم، وكان النقاش بين أستاذين جامعيين عربيين : الأول يدعو إلى تدريس العلوم باللغة الإنكليزية وهو سوري، والثاني يدعو إلى تعريب التعليم وهو جزائري .
إن كثيراً من دعاة العروبة لا يحسنون لغتهم. وهذا ما دفع أحد المفكرين إلى القول بأن هناك إهانة توجه إلى العربية؛ تتجلى هذه الإهانة في ثلاثة أمور :
1 – السيل من الأفلام والمسلسلات والتمثيليات والمسرحيات والأغاني باللغة العامية .
2 – بعض الزعماء يخلط العربية بالعامية، وهم مولعون بخفض المرفوع وجر المنصوب .
3 – تقليد المنتصر .
وإذا نظرنا إلى ما يفعل أصحاب اللغات الأخرى لخدمة لغاتهم لوجدنا أنفسنا مقصرين كثيراً. فالإنكليز مثلاً يفعلون العجب في تعميم لغتهم، ويبتكرون الحيل الطريفة لتحبيبها إلى النفوس حتى أصبحت الإنكليزية لغة العالم، ولغة العلم معاً .
وقد حفظ لنا تاريخنا جهود رواد بذلوا ما بوسعهم لخدمة هذه اللغة . فمثلاً لما تولى سعد زغلول وزارة المعارف في مصر كان التعليم في المراحل الأولى باللغة الإنكليزية ؛ كان كتاب الحساب المقرر على الصف الابتدائي تأليف (( مستر تويدي )) وكذلك سائر العلوم، فألغى سعد هذا كله، وأمر أن تدرس المقررات كلها باللغة العربية، وأن توضع مؤلفات جديدة باللغة القومية. وبذلك المسلك الناضج حفظ على مصر عروبتها. وهذا الصنيع دفع أحد المفكرين المصريين إلى القول : (( إن سعداً أحسن إلى جيلنا كله بجعلنا عرباً )) فكم سعداً نحتاج إليه ؟