البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

الأحد، 22 يناير 2017

النص والسياق ــــ إشكالية تتناولها الندوة الدولية بكلية الآداب واللغات بجامعة القيروان / تونس

عنوان الفعالية: النصّ والسياق

تاريخها: الثلاثاء 07 والأربعــاء 08 والخميس 09 مارس 2017
نوعها: دولية
التصنيف: ندوة
الجهة المنظمة: جامعة حكومية
تعريف الجهة المنظمة: مدرسـة الدكتوراه بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان، الجمهورية التونسية
الإشكالية، الأهداف، المحاور والضوابط:
بين النصّ والسّياق علاقة قديمة قِدم تلازمهما الطبيعيّ، متجدّدة بتجدّد زوايا النظر فيها، والبحوث التي اهتمت بهذه العلاقة متنوّعة، مختلفة مجالا، لكنّ اتساع فهم السيّاق وتنوّعه مشروط بتنوّع وجهات النظر والنّصوص المدروسة، ممّا يجعل من هذه المسألة إشكالا وموضوعا للمُساءلة ودافعا لفتح المزيد من مجالات البحث، ويدعو إلى تدبّر السّياقات المختلفة: الاجتماعي والثقافي والذهني والمعرفي والتاريخي والنّفسي
لذلك لم يلبث أن اقترن البحث في النصّ بالبحث في السّياق، فخرج إلى مجالات تتجاوز الأبنية اللغوية الصّرف، وإن حافظت على أهميّتها في بناء التّصوّرات، على نحو ما يظهر عند جون ميشال آدم (Jean-Michel Adam)، الذي يقيم معادلة قوامها “النصّ+ السّياق = الخطاب”، آخذا بعين الاعتبار تصاريفها المتنوّعة مثل “الخطاب – السّياق = النصّ”، مثيرا مدى استغناء النصّ عن شروط الإنتاج والتلقي. ويتأتّى عن تلازم النصّ والسّياق تفاعل، ليس يتطرّق إليه شكّ، تتراوح مظاهره بين علاقة عضويّة منتظمة، مطّردة، تحكمها “أصول نظريّة لإنتاج الخطاب، وظواهر ذاتيّة من قبيل النّبوغ والعبقريّة تقوم على ما يشبه حسـاب الصّدفة والاتفاق”. والسّؤال الملحّ هو أوجه التّفاعل الممكنة بين النصّ والسّياقات التلفّظية، ومن بين المباحث الممكنة اختبار تأثير الاختيارات اللّسانيّة في تأويل النصّ وتقويم أثر العوامل السّياقيّة في تلك الاختيارات.
إنّ التّفاعل بين النصّ والسّياق يوفّر مجال تحليل خصب في دراسة النّصوص بمختلف أنواعها. وقد أشار معجم تحليـــل الخطاب لباتريك شــــارودو ((Patrick Charaudeau ودومينيك مانغنو (Dominique Maingueneau) إلى أنّ التّفكير الجديد في السّياق أبرز أنّ مكوّناته المختلفة لا تتدخّل في التّواصل إلاّ في شكل “معارف” و”تمثيلات” سواء أمكن للمساهمين فيها الاشتراك في عمليّة التّواصل أو لا. ثمّ إنّ الخطاب نشاط مشروط بالسّياق، مغيّر إيّاه في الآن نفسه، بما أنّ المقام يتجدّد بجملة الوقائع الخطابيّة التي ترتبط به.
والثابت أنّ السّياق يضيف إلى الدّلالة اللغوية في النصّ دلالات جديدة، ويفتح إمكانيات تأويل متعدّدة بتعدّد زوايا النظر، وهذا ما يجلو وظائف السّياق ودوره في إنشاء الخطاب. وقد تفطنت مدرسة التّحليل النّقدي للخطاب إلى أهمية السّياق في التّحليل وإلى مداخل تصنيفه، وجعلت منه مجالا للتنظير، فاعتبره فان دايك (Van Dijk) مسألة تقترن بالتصوّر وتتعلّق بمنتج الخطاب ومتلقّيه. ونظرت إليه النمساوية روث ووداك (Ruth Wodak) بوصفه “سياقات متعددة”، وصنّفت له مستويات في النصّ المدروس، وأشارت إلى السّياق المُضيَّق والسّياق المُوسَّع، مفيدة في ذلك مما توصّلت إليه دراسات تداولية جعلت السّياق مركز اهتمامها، فأولت مكوّناته أهميّة في تحديد الدّلالة وتوجيه القصد والتأويل، فجاك موشلار (Jacques Moeschler) يرى ضرورة تجاوز المنوال “شكل- معنى” والحاجة إلى إدخال البعد التّداولي في دراسة الأقوال.
وقد اقترحت المقاربات العرفانية تصوّرا ذهنيّا للسّياق يتلخّص في اعتباره معطى ذاتيّا يخزّن في الذهن و يبنى تدريجيا أثناء التواصل، انطلاقا من مجموع القضايا والأحكام والاعتقادات والقناعات التي يُعالـَج في ضوئها الخطاب بمختلف أشكاله، سواء أكان محادثة أم كتابة أم قراءة، وليس معطى موضوعيّا موجودا ما قبليّا خارج النصّ. ولا شك في أنّ تعدّد المقاربات وتنوّعها يراكم الإضافات المعرفيّة ويعمّق النّظر في هذه الظّاهرة المتشعّبة، لاسيما إذا تقاطعت بعض تلك المقاربات وتفاعلت في ما بينها.
إنّ الهدف من ندوة “النصّ والسّياق” إثارة جملة من القضايا المرتبطة بإشكاليّات العلاقة بين النصّ بما هو مجموعة من العلامات والعلاقات التركيبيّة والنسقيّة، والسّياق باعتباره محدّدات توجّه المعنى، ضمن رؤية تعمل على فتح مسالك جديدة تتجاوز التصوّرات السّائدة.
وتتوزّع محاور اهتمام هذه النّدوة على النّحو التالي:
التحديد المفهومي؛ النصّ/ الخطاب/ السّياق/ المقام
النصّ وسياقاته: السّياق التداولي، العرفاني، الأجناسي، التّاريخي، الثقافي، الحضاري، النّفسي….
السياق بين التّفكير اللّغوي القديم والنظريّات اللّسانية الحديثة.
أثر السّياق في تحويل وجهة الدّلالة اللّغوية.
حدود تجاوز المفهوم الخارجي للسّياق إلى المفهوم الدّاخلي.
السّياق بين الذّاتي والموضوعي.
السّياق بين اللّغوي والنصيّ والمقاميّ.
السّياق والتّلقي.
المشاركة:
ترسل بطاقة المشاركة والملخصات (لا تتجاوز صفحة واحدة وتذيل بالكلمات المفاتيح) في أجل لا يتجاوز 15 ديسمبر 2016
تُضبط قائمة الاختيارات المبدئيّة في أجل لا يتجاوز 20 جانفي 2016
يرسل الباحثون أعمالهم النهائيّة في أجل لا يتجاوز 10 فيفري 2017
تخضع الأعمال للتّحكيم، وفي ضوء ملاحظات اللّجنة وقراراتها يتمّ نشر الأعمال التي تحظى بموافقة المقرّرين وإجراء التعديلات المناسبة على الأعمال التي تحتاج تعديلا. ويرجى اتّباع الإجراءات التالية الخاصّة بكتابة المداخلة:
تكتب المداخلة بخطّ Simplified Arabic 14 في المتن و 12 في الهامش، وتكتب الهوامش في أسفل الصفحة.
يتغيّر رقم الهامش بتغيّر الصفحة.
يُكتب الهامش أوّل مرّة على النّحو التالي: اسم المؤلف، الكتاب، المكان، دار النشر، التاريخ، الطبعة، الجزء، الصفحة.
تُرفق المداخلة بقائمة المصادر والمراجع.
تتّصل المداخلة بأحد محاور الندوة.
ملاحظة: لغات الندوة هي العربيّة والفرنسيّة والإنجليزية، وتتكفّل مدرسة الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان بتوفير التنقّل الدّاخلي والإقامة للمشاركين طيلة أيّام الندوة، ونشر الأعمال المقدّمة لاحقا بعد موافقة اللجنة العلميّة.
اللّجنة العلمية:
أ.د رضا بن حميد، أ.د محمد طاع الله، أ.د حمّادي صمّود، أ. د أحمد حيزم، أ.د محمد الشّــــــــــاوش، أ.د عبد العزيز شبيل، أ.د بشير الوسـلاتي، أ.د عبد العزيز المسعـــودي، أ. محمّد بن محمّد الخبو، أ.د أحمد السّماوي، أ.د لزهر الزّناد، أ.د. توفيق العلــــــوي، أ.د منجيّة عرفه منسيّـــــة، أ.د هشام القلفاط، (من تونس)، آمنه بلعـلى، أ.د الطّاهر رواينـــيه، (من الجزائــــــــــــــــــــــــر)، أ.د سعيد بنكراد، أ.د سعيد يقطين، أ.د محمد خطّابي، أ.د خالد بلقاسم، أ.د محمّد معتصم، (من المغـــرب)، أ.د علاء عبد الهادي، أ.د حسن حمّودة (من مصر)، أ.د يمنى العيـــــــــــــد، أ.د مشهور مصطفى، (من لبنان).
لجنة التنظيم: أ.د رضا بن حميد، أ.د محمد طاع الله، د. منية عبيدي، د. سمير سحيمي.
مواعيد هامة:
ترسل بطاقة المشاركة والملخصات (لا تتجاوز صفحة واحدة وتذيل بالكلمات المفاتيح) في أجل لا يتجاوز 15 ديسمبر 2016
تُضبط قائمة الاختيارات المبدئيّة في أجل لا يتجاوز 20 جانفي 2016
يرسل الباحثون أعمالهم النهائيّة في أجل لا يتجاوز 10 فيفري 2017
المكان، و معلومات الاتصال والتواصل:

كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان، تونس

الجمعة، 23 سبتمبر 2016

قراءة في مؤلفات الباحث رجاء عيد ضمن علم الأسلوب

بقلم الباحث : فاروق صالح باسلامة


/
رجاء عيد  أكاديمي ، وعميد لكلية الآداب وأستاذ البلاغة والنقد بجامعة بنها بجمهورية مصر العربية، ويمتاز الدكتور رجاء عيد بالبحث الأكاديمي في علوم العرب الأدبية واللغوية والبيانية، يحلل ذلك بثاقب فكره، وعميق أدبه وحسن بيانه وعلى سبيل ذلك كتابه (البحث الأسلوبي معاصرة وتراث) وهو من أهم كتبه التي قدمها للمكتبة العربية البيانية والأدبية سنة 1993م عن منشأة المعارف بالإسكندرية هذا الكتاب البحثي العريق قد يستصعبه بعض المتلقين، ولكن إذا فحصت النظر فإن مفاهيم الكتاب مواضيع ومحتوياته تكون في متناول وعيه ومفهومه، ويدل ذلك على فكر المؤلف البياني وتناول له، بطرح سهل وبضاعة شهية، ففي مستهل الكتاب: البحث الأسلوبي: يدرس ويفحص مصطلح أسلوب أو سلوبية، معنىً وتاريخاً ومعاصراً وقد عرج على مابينه أبو هلال العسكري في كتابه (كتاب الصنعتين: الشعر والنثر والبيان والتبيين للجاحظ وعيار الشعر لإبن طبا طبا، حيث ينظر بعضاً من أقاويلهم ونظرياتهم على ضوء التراث الأدبي والأسلوبي والنقدي ولم يأل الدكتور المؤلف جهداً ليطل على مشاهد المعاصرة في كتابه حول إشكالية الدلالة، والبنيوية والتحويلية في النقد الأدبي الحديث على ضوء المناقشة مع المام في كتابه (دور الكلمة) الذي ترجمه الدكتور كمال بشر.
وبهذا التقديم البياني للأسلوب يذكر قول أحد النقاد الفرنسيين = أسلوب الرجل هو الرجل
يعني أن الأسلوب هو البيان للرجل أسلوباً وسلوكاً وعلماً وعملاً، وثقة بنفسه وذاته ماكان ذلك إلا لرصانة الكلم وتصوير البيان ببراعة وإتقان وحذق وبلاغة.
وهذا يؤدي إلى بيان النقد الأدبي واستعمال الفصاحة واللسن في الأسلوب تراثاً ومعاصرة، على أن القواعد الأصيلة تقر في سلوكياتها للنقد والبلاغة في ضوء النص الأدبي والفكر البياني المستنير، سواء كانت الأسس قديمة أو حديثة، وطالما متح من منهلها الأدباء والبيانيون والشعراء والكتبة، إن المعاصرة للآداب والفنون تعني التأصيل وتعميق المعني والمبنى معاً بل هي تمكين للشأن البياني في عناصر الأدب الفنية كلها وهذا واجب النقد ورجاله لتوقي الانحراف الذوقي عند المبدعين، الذين يستحقون الرعاية النقدية والبلاغية عند النقاد الراصدين للأعمال الأدبية ويمضي رجاء عيد في هذا الكتاب الأسلوبي محللاً للمصطلحات البيانية الأدبية والفنية شارحاً بالتناول كخصوصية الأداء، وخواص اللغة الشعرية ودراسة التراكيب بما في ذلك من الاحتواء لنصوص من الأدب وملامح أسلوبية في دراسة النص القرآني لدى البلاغيين والبيانيين من المفسريين أمثال، ابن الأثير في كتابه "المثل السائر" في البلاغة أنموذجاً فيما أورده عن سورة الفاتحة: أنظر "البحث الأسلوبي معاصرة وتراث" ص 245 من الطبعة المصرية المذكورة، للمؤلف رجاء عيد، هذا الحديث الأسلوبي هو من النظرة وتطبيقها على ضوء بلاغة القرآن في كتاب الدكتور عيد حيث تحدث طويلاً أولاً حول الأسلوب والتركيب والدلالة في الشعر العربي في أكثر من عشرة فصول وختمه بفصل "ملامح أسلوبية في دراسة بيان سورة الفاتحة" يرجع إليه من يرغب في التفصيل.
والأسلوب الأدبي عند الدكتور عيد يوجهنا إلى كتاب آخر من تأليفه عنوانه "المذهب البديعي في الشعر والنقد" يقول من خلاله وهو يتحدث عن الأدب:
"الأدب هو المجال الطبيعي للتعبير عن الذات وعن الخلجات النفسية الخبيئة وهو في نهاية المطاف الحياة بكل ماتحمله اللفظة من إيحاءات وظلال مختلفة متباينة ولكنه لا ينفصم ولا ينفصل عن الشعور فإذا تعداه إلى مناطق الفكر المجرد وعرى عن الشعور العاطفي أو النفسي فإنه يتردى في المهالك" المذهب البديعي، ص 10، 11 ط الإسكندرية.
وفي موضع آخر من هذا الكتاب يقول الدكتور عيد: "وحين ننظر إلى الأدب العربي نرى أنه قد كان لكل عصر ظروفه النفسية والاجتماعية التي تدفع بالأدب إلى اتخاذ إطار خاص ونمط خاص يؤثره على غيره من الأنماط والأطر، ص 7، وهو إذ يقول ذلك في حق الأدب نفسياً واجتماعياً يدلل بقول الأستاذ أحمد حسن الزيات باستعراض شخصيات أدبية تمثل نموذجاً دالاً على مذهب عبدالحميد بن يحيى الكاتب من أن الطور الأول للأسلوب العربي: راجع: المذهب البديعي في الشعر والنقد ص 7، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية.
وإذا قرأت هذا الحديث الأدبي في حينه تجد عناية الدكتور عيد بأساليب العرب الأقدمين في الأدب والنقد والشعر وفنه، إنما يريد المتح من مناهل الأدب العربي عند رواده كالنابغة والخنساء وزهير وطرفة وسواهم.
إلى جانب النثر الأدبي العربي عبر العصور منذ القدم وحتى العصر الحديث إن هذا لهو مذهب أدبي بديع يطرحه لنا المؤلف العيد في هذا الطرح البياني الماتع الذي يشيد ببلاغة العرب، ونزول القرآن الرباني بلغتهم ألا وهي لغة قريش، وهذا معتبر في سياق حديث الدكتور رجاء عيد عن الأسلوب الأدبي معاصرة وتراثاً من خلال كتابه هذا، فهو يساير الأسلوب العربي من خلال الأدب نثراً وشعراً، ويطرح ذلك على بينة واضحة نفس الشيء في كتابه المذهب البديعي شعراً ونقداً، ويرسم الأسلوب البديعي من وجهة نظره الأدبية، ورؤيته الأسلوبية.
إن هذا الأديب أياً كان عمله أو مهنته الحياتية في الدنيا، هو شاعر بإحساسه وناظر إلى الجمال بذاته يتراءى بضوء القمر طريقه نحو الهدف، بحيث يعطي عن الدنيا جواباً متفكراً في خلق الله الإنسان والكون والحياة، ذلك مايشكل تصوراً عبادياً لله عز وجل، ويأتي الأديب يكتب ماتصوره الإنسان من جنسه في طرح معنوي وأدبي راجع "منهج الفن الإسلامي" لمحمد قطب مصر دار القلم، ففيه تفصيل للتصور الإسلامي في الأدب، قياساً على الفكر الإسلامي في الأدب شعراً ونثراً، بل في الحياة جمعاء، ومن خلال ذلك وضع رجاء عيد في كتابه عن الأسلوب الأدبي والبحث الأسلوبي معاصرة وتراثاً أمثلة قياسية من القرآن وبعض من أخبار العرب في اللغة وملامح من التحليل الأسلوبي في التراث، والنسق الأسلوبي في الآداء الشعري عرباً وعجماً مع دراسات متناسقة في التركيب اللغوي والآداء البياني على ضوء علم البلاغة الذي درسه كتاب المذهب البديعي في الشعر والنقد للمؤلف الدكتور رجاء عيد نفسه، فكان بحق دراسة بديعية بأسلوب تراثي ومعاصر وهما المعنيان معاً.

الأحد، 24 أبريل 2016

نظرة علمية عن الفصائل والأسر اللغوية في العالم



 الباحث : محمد بن إبراهيم الحمد

كان لاكتشاف اللغة السنسكريتية الهندية القديمة في أواخر القرن الثامن عشر أثر كبير في تطور الدراسات اللغويبة في أوربا ذلك أن البحث اللغوي الهندي كان يتميز بالدقة والاهتمام بالدراسات الوصفية، ويبتعد عن الجدل والفلسفة، وقد تبين للغويين وجود أوجه شبه كبيرة بين السنسكريتية واللغات الأوربية، فدفعهم هذا إلى الاهتمام بالدراسة الوصفية والتاريخية والمقارنة للغات.
كان علماء تلك الفترة في أوربا مهتمين بالبحث التاريخي، ويحاولون وضع دراسة تاريخية تطورية لكل علم متأثرين بنظرية دارون التطورية، كما كانوا يسعون إلى وضع قوانين لعلومهم، فسار علماء اللغة على هذا النهج؛ لأجل تحديد أوجه الشبه والاتفاق بين اللغات، والبحث عن الأصول المشتركة لهذه اللغات؛ رغبة في الوصول إلى ما يسمى باللغة الأولى أو الأم، ودراسة تطور اللغات، وكتابة تاريخها اللغوي، ووضع قوانين عامة للغات.
ودفع تحديد ملامح المجموعات اللغوية في أوربا ومعرفة العلاقات بينها - إلى البحث في لغات العالم الأخرى، حتى توصل العلماء إلى بعض التقسيمات للغات، وهو ما يسمى بالفصائل أو الأسر اللغوية.
والغرض الذي يُسعى إليه من دراسة الفصائل اللغوية هو معرفة التقسيمات العامة للغات العالم، والمجموعة التي تنتمي إليها لغتنا، وخصائص المجموعة، وتاريخها، ثم نعرج على لغتنا؛ فندرسها بالتفصيل.
ولقد توصل العلماء إلى عدة نظريات في تقسيم اللغات في العالم ولكن أشهر تلك النظريات نظريتان:
النظرية الأولى: وهي التي تعتمد على الدراسة الوصفية والتشكيلية للغات، ولا تنظر إلى ما بينها من قرابات وصلات تاريخية.
وصاحب هذه النظرية هو العالم الألماني (شليجل) وقد قسم اللغات إلى ثلاثة أقسام:
1- اللغات المتصرفة أو التحليلية: وتمتاز هذه اللغات من الناحية التصريفية بتغير المعاني مع تصرف الكلمات، وأن الألفاظ فيها يشتق بعضها من بعض، ومن الناحية النحوية وتراكيب الجمل تَسْتَخدِم روابطَ وأدواتٍ تدل على مختلف العلاقات.
ومن هذا النوع اللغات الأوربية واللغات السامية ومنها العربية التي بلغت من ذلك مبلغاً فاقت به سائر اللغات؛ ففي العربية - على سبيل المثال - تقول من مادة (شُرْب): شَرِبَ، يشرب، شارب، شَرَاب، شُرْب، شروب، شَريب، تَشراب. . . وكل منها يدل على معنى.
وتقول: ركب محمد وعلي القطار من الرياض إلى الظهران فتدل الضمة في (محمد) على الفاعلية، والفتحة في (القطار) على المفعولية، والواو على الرابط بين (علي) و (محمد) و (من) على الابتداء و (إلى) على الانتهاء. . . وهكذا.
2- اللغات الوصلية أو اللاصقة: وهذه اللغات تتغير المعاني فيها عن طريق إضافة لواصق أو سوابق إلى الكلمات، لتحمل معاني جديدة.
ومن أشهر لغات هذه الفصيلة: اليابانية، وبعض اللغات البدائية.
3- اللغات العازلة: وهي لغات لا تتصرف الكلمات فيها ولا تلحقها الإضافات، بل تحمل كل كلمة بصورتها معنى لا يتغير.
ولا تعرف هذه اللغاتُ الأدواتِ النحويةَ، ولعل هذا هو السبب في تسميتها بـ: العازلة؛ لأن لكل كلمة دلالة خاصة، لا تقبل التغير.
ومن هذه اللغات الصينية وكثير من لغات الأمم البدائية.
وزعم القائلون بهذه النظرية أنها تدل على تطور اللغات؛ فاللغة في نظرهم تبدأ من مرحلة (العزل)، ثم ترتقي إلى المرحلة التي تستخدم فيها السوابق واللواحق، ثم إلى أرقى مراحلها وهي أن تكون تصريفية كما يرى القائلون بها أن بعض اللغات قد تتوقف عند مرحلة معينة فلا تتجاوزها، وقد استدلوا على نظريتهم هذه بلغات الأطفال ولغات الأمم البدائية.
ولم تلقَ هذه النظرية قبولاً عند العلماء ووجهوا إليها اعتراضات أهمها:
أن كثيراً من اللغات تعرف أكثر من قسم من الأقسام الثلاثة؛ فالعربية التي هي لغة تصريفية تعتمد اعتماداً كبيراً على الوصل، والإلصاق كحروف المضارعة، وعلامات التثنية والجمع، وغيرها.
وكذلك نجد فيها بعض الصيغ العازلة كالمثال الذي يسوقه النحويون: ضرب موسى عيسى، من وجوب تقديم الفاعل، لعدم وجود قرينة تدل عليه، ولو قدمت (عيسى) على (موسى) أو على (ضرب) لتغير المعنى.
النظرية الثانية: وهي التي تعتمد على الصلات وروابط القربى، والعلاقات التاريخية والجغرافية بين الشعوب، فتحاول أن تجعل من كل مجموعة متقاربة من اللغات فصيلة مستقلة.
وهذه النظرية أكثر النظريات قبولاً، ورواجاً بين العلماء.
وأشهر تقسيم للغات سار في هذا الاتجاه هو ما قال به العالم الألماني (ماكس مولر) ت1900م، فقد لاحظ أن أكثر لغات العالم تجمع بينها علاقات تاريخية، وأوجه شبه مما يمكن أن تكون متفرعة عن أصل واحد.
ومن منطلق وحدة النشأة للغات وجد (مولر) أمامه مجموعتين لغويتين متميزتين، أما اللغات التي لم تندرج تحت هاتين المجموعتين فقد صنفهما تحت مجموعة ثالثة.
وعلى هذا ففصائل اللغات في العالم ثلاث:
1- فصيلة اللغات الهندية - الأوربية: وهي أكثر اللغات انتشاراً في العالم؛ إذ يتكلم بها أكثر سكان أوربا وأمريكا واستراليا، وقسم كبير من سكان آسيا.
ويندرج تحت هذه المجموعة عدد من اللغات البائدة كالسنسكريتية، والفارسية القديمة، والبهلوية واللغات الجرمانية، واليونانية، والإغريقية القديمة، كما يدخل ضمن هذه المجموعة من اللغات المستعملة الحية اللغات الهندية، والفارسية، والكردية، والأفغانية، والأرمنية، والألبانية، واللغات الأوربية، والسلافية والاسكندنافية وغيرها.
وقد اختلف العلماء في تحديد موطن هذه اللغات فقيل نشأت في وسط آسيا في منطقة التركستان، أو في أوربا الشرقية، أو في بحر البلطيق كما حاولوا تصور كيفية انتقال هذه اللغات وانتشارها في تلك البقاع الواسعة في العالم.
وقد بحث العلماء كثيراً في هذه اللغات لأن أكثر علماء اللغة في العصور المتأخرة ينتمون إليها.
وتمتاز هذه الفصيلة بكثرة شعبها، واتساع الرقعة المنتشرة فيها وقد سلك المتحدثون بها إن كانت يوماً ما لغةً واحدة مسالك متباعدة حتى لا يكاد يوجد بين فروع هذه الفصيلة إلا أوجه شبه محدودة يدركها المتخصصون.
2- فصيلة اللغات السامية - الحامية: وتشمل هذه الفصيلة مجموعتين لا يربط بينهما إلا روابط جغرافية؛ ذلك أن الاختلاف بين المجموعتين كبير.
أما الأولى - السامية - فلها حديث خاص، وأما الثانية - الحامية - فتنتسب إلى حام بن نوح - عليه السلام - وهي تحوي اللغاتِ المصريةَ القديمةَ، والقبطيةَ، واللغاتِ البربريةَ التي لا يزال لها بعض الاستعمال في مناطق من شمال أقريقيا، واللغات الكنوشيتية - الحبشية القديمة - والنوبية.
وأكثر هذه اللغات طغت عليها اللغات السامية.
3- فصيلة اللغات الطورانية: وتسميتها بالفصيلة من قبيل المجاز، وإلا فإن هذه الفصيلة تضم لغات لا تربط بينها علاقات، ولكن (مولر) جمعها تحت هذا الاسم؛ تخلصاً من كثرة التقسيمات.
ومن هذه الفصيلةِ اللغاتُ الصينية، واليابانية، والتركية، والمغولية وغيرها.

ولم يُرضِ هذا التقسيم العلماء المحدثين، فجعلوا اللغات السامية الحامية فصيلتين مستقلتين، وجعلوا الفصيلة الطورانية تسعة عشر قسماً؛ لتصل الفصائل إلى اثنتين وعشرين.