البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

الخميس، 10 ديسمبر 2015

العلاقة بين اللغة واللهجة


تاريخ التسجيل
Oct 2010
المشاركات
31

  الباحث الأكاديمي : رشيد الزات

تمهيد:
تعتمد الأمم في تثبيت شخصيتها بين الأمم على ركائز مهمة في حياتها على تاريخها وعلى دينها وتقاليدها الخاصة وأعرافها الاجتماعية، وعلى لغاتها. ولعل اللغة أعظم ركيزة يقف على طرفها المجتمع، فبها يعرف نسبه وبها يكشف عن مدى تقدمه وتخلفه.
واللغة كالإنسان تأخذ وتعطي، وتنشأ وتعيش، وتتطور وتتسع، وتلد وتموت، وربما دخلت في صراعات واحتدامات فإن كانت قوية متماسكة، وإلا أثر فيها غيرها، أو حل محلها لتموت في الأخير، كما حصل للأكادية السامية، واللاتينية القديمة، والعبرية القديمة وغيرها. وفي ظل هذه الصراعات تنشأ أشكال أخرى، تعيش في أكناف اللغة الأم، وتتغذى بلبانها، وتأخذ في وصفها العام ملامح الأم لكنها تختلف في التفاصيل، وقد سميت هذه الأشكال حسب الاصطلاح الحديث باللهجة.
فما حدود كلا الجنسين ومتميزاته عن الآخر؟ وهل هناك فرق حقا؟ وكيف نشأ هذا الفرع عن ذاك الأصل؟ وما سبب نشوءه؟
بالرجوع إلى معاجم اللغة: نجد الخليل يعرف اللغة في العين بقوله: "اختلافُ الكلامِ في معنىً واحدٍ". وعند ابن الحاجب في مختصره "حدُّ اللغة كلُّ لفظٍ وُضعَ لمعنى". وتبقى هذه التعريفات قاصرة حسب المنظور الحديث الذي يعتبر تعريف ابن جني 392هـ تعريفا حديثا سابقا لزمانه، فيقول: "حدُّ اللغة أصواتٌ يعبّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم". ونقل السيوطي 911هـ في المزهر تعريفه. ويزيد ابن خلدون 808هـ تعريف ابن جني تفصيلا أكثر فيقول: "اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم".
ومثل هذا التعريف لا نكاد نجده إلا عند الغربيين[1]. يقول يسبرسن: إن اللغة ينظر إليها عن طريق الفم والأذن لا عن طريق القلم والعين. وفي دائرة المعارف البريطانية تحت مادة لغة: أنها نظام من الرموز الصوتية. ويشبه هذا التعريف تعريف اللساني فردنالد دي سوسير حيث اعتبرها مجموعة من العلامات اللسانية المنظومة في نسق معين موضوعة للتفاهم والتواصل.
أما اللهجة: ففي العين للخليل: واللّهجة طَرَف اللّسان ويُقالُ: جَرْس الكلام، ويُقال فصيح اللَّهْجَة. واللَّهَجة وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادها ونشأ عليها.
قال الزبيدي إثر نقل هذا المعنى: "وبهذا ظهرَ أَنَ إِنكارَ شَيخنا علَى مَن فَسَّرها باللُّغة لا الجَارحة وجَعْله من الغرائب قُصورٌ ظاهرٌ كما لا يَخْفَى". يفهم من معنى اللهجة في المعاجم العربية أنها طريقة أداء اللغة أو النطق، أو جرس الكلام ونغمته. ويعرفها المُحْدَثون بأنها: الصفات أو الخصائص التي تتميز بها بيئة ما في طريقة أداء اللغة أو النطق. كما عند عبد الواحد الوافي وغيره.
فالعربية لغة الشعوب العربية كلهم، لكنهم في تطبيق هذه اللغة يختلف قطر عن قطر في أصوات الحروف وصفاتها من تفخيم وترقيق وإمالة وغير ذلك، فكيفية النطق عند المصريين تختلف عن كيفيته لدى المغاربة أو العراقيين وهكذا.
نستخلص: أن اللغة كانت لغة تواصل ناطقة تختلف من قوم إلى قوم. وأن اللهجة لم تكن معروفة عندهم بالمعنى الحادث، وإنما كانت تختص بجرس اللسان لكل أحد وكيفية استعماله للغة الأم، فيقال فلان فصيح اللهجة. ولم يكن معروفا عندهم درس اللهجات كما يتوفر على درسها المحدثون، ولم يستعملوا مصطلح اللهجة على النحو الذي نعرفه في الدرس اللغوي -يقول عبده الراجحي-، ومع ذلك فإن كتبهم تعرضت لما نسميه لهجات القبائل العربية كعنعنة تميم وكشكشة ربيعة ونحوها، ولم تكن تسميها لهجة؛ بل كانت تسميها لغة. كما نجد ذلك في العين كقول الخليل: الخَبْعُ : الخَبْءُ في لغة تمَيمٍ يجعَلُون بَدَلَ الهمزة عَيْناً. وعند ابن فارس في الصاحبي حيث عقد بابا للغات المذمومة. وعند السيوطي في المزهر.
وحتى ما ظهر من لغات تخالف اللغة الأم في الإعراب والحركات وبعض المفردات، فإنها لغة حسب الأقدمين لا لهجة. يقول ابن خلدون: "اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر، ليس بلغة مضر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل؛ بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس عنهما، وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم".
وبتأمل هذا النص يتبين أن التغير التاريخي التطوري الذي طرأ على اللغة الأم وهو ما هو معروف عندنا باللهجة العامية بدوره لغة عند القدماء.
ويمكن حصر اللهجة في الدرس اللغوي الحديث على إطلاقين، إطلاق على ما اختلفت فيه لغات القبائل العربية فيما بينها. على أنها وإن اختلفت فقد كان لها لسان مشترك يجمعها، وهو الذي وصلت به كتب التراث العربي، ونحن -يقول عبده الراجحي- لا نتصور أنهم كانوا يتحدثون في بيعهم وشرائهم وهزلهم باللغة ذاتها التي ينظمون بها شعرهم أو يضعون بها خطبهم.
وإطلاق على ما دخل اللسان العربي من العامية، وهو الذي يقصده د. رشيد العبيدي بقوله في سياق كلامه عن الصراع الذي عاشته اللغة العربية يقول: "أما على المستوى الشعبي في أقطار المتكلمين بها، فقد احتكت بأجناس وجماعات بشرية مختلفة، مارست الحديث اليومي بها، فأخذت وأعطت وتغيرت تغيرات مختلفة بحسب الظروف التي يتميز بها كل قطر، فكانت هناك لهجات شعبية تستخدم أداة للتفاهم اليومي في كل قطر".
على أن اللهجة عند المحدثين أنفسهم قد يقصد بها اللغة فهذا صلاح فضل في كتابه علم الأسلوب، يقسم اللهجة إلى عائلية وضيعة مبتذلة، وأخرى رفيعة، وبينهما متوسطة، ويؤكد أن الإنسان يمكنه استعمال عدة لهجات بطريقة لا شعورية في حياته اليومية. فالمنخفضة لهجة البيت والمقهى والشارع. والمتوسطة لهجة المهنة والمكتب والعلاقات الاجتماعية. والرفيعة لهجة المناسبات الخاصة والخطب والمواقف العامة.
والانخفاض في كلام د. صلاح لا يقصد به خفض الصوت، بل الانخفاض في جودة اللغة وسفولها نحو الابتذال. وبتعبير آخر فكلام البيت والشارع والمقهى لهجة، وكلام المناسبات الخاصة والخطب لغة وبينهما لغة المكتب والمهنة التي تتوسط بين هاتين.
سبب حدوث اللهجات وتفرعها عن اللغة الأم:
متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدا طويلا. فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجا يختلف عن منهج غيرها. ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها، لكنها تظل متفقة في وجوه أخرى، إذ يترك الأصل الأول في كل منها آثارا تنطق بما بينها من صلات قرابة ولحمة نسب لغوي.
والعامل الرئيس في تفرع اللغة إلى لهجات ولغات هو سعة انتشارها، غير أن هذا العامل لا يؤدي إلى ذلك بشكل مباشر، بل يتيح الفرصة لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة، وباستقراء هذه العوامل في الماضي والحاضر يظهر أن أهمها يرجع إلى الطوائف التالية:
1-عوامل اجتماعية سياسية تتعلق باستقلال المناطق التي انتشرت فيها اللغة بعضها عن بعض، وضعف السلطان المركزي الذي كان يجمعها، ويوثق ما كان بينها من علاقات.. وغني عن البيان أن انفصال الوحدة السياسية يؤدي إلى انفصال الوحدة الفكرية واللغوية.
2-عوامل اجتماعية أدبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق النظم الاجتماعية، والعرف والتقاليد والعادات، ومبلغ الثقافة ومناحي التفكير والوجدان، فمن الواضح أن الاختلاف في هذه الأمور يتردد صداه في أداة التعبير.
3-عوامل جغرافية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة، من فروق في الجو، وطبيعة البلاد وبيئتها وشكلها وموقعها، وما إلى ذلك. فلا يخفى أن هذه الفروق والفواصل الطبيعية تؤدي عاجلا أو آجلا إلى فروق وفواصل في اللغات.
4-عوامل شعبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في الأجناس والفصائل الإنسانية التي ينتمون إليها والأصول التي انحدروا منها، فمن الواضح أن لهذه الفروق آثارا بليغة في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات.
5-عوامل جسمية فيزيولوجية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في التكوين الطبيعي لأعضاء النطق فمن المحال مع فرق كهذه أن تظل اللغة محتفظة بوحدتها الأولى أمدا طويلا.
فانقسام المتكلمين باللغة الواحدة تحت تأثير هذه العوامل إلى جماعات متميزة، واختلاف هذه الجماعات بعضها عن بعض في شؤونها السياسية والاجتماعية، وفي خواصها الشعبية والجسمية وفيما يحيط بها من ظروف طبيعية وجغرافية، كل ذلك وما إليه يوجه اللغة عند كل جماعة منها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، ويرسم لتطورها في النواحي الصوتية والدلالية وغيرها منهجا يختلف عن منهج أخواتها، فتتعدد مناهج التطور اللغوي حسب تعدد الجماعات، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بين اللهجات الناشئة عن هذا التعدد حتى تصبح كل لهجة منها لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها.[2]
الفرق بين اللغة واللهجة والعلاقة بينهما:
يبدأ الخلاف بين هذه اللهجات واللغة الأم من ثلاث نواحي:
الأولى المتعلقة بالصوت: فتختلف الأصوات حروفا وطريقة تبعا للغة السائدة أو الأصلية في البلد، وهنا يحضرنا ما قاله ابن خلدون من تأثر اللسان العربي عندما دخل إلى الأقاليم بلغة أهلها الأصلية، فتأثر اللسان المشرقي بالفارسية والتتارية، والمصري بالنبطية، والمغربي بالبربرية وهكذا.
وهو ما يسميه رمضان عبد التواب في 'التطور اللغوي' بالتغييرات التاريخية للأصوات، حيث يحدث تحول في النظام الصوتي للغة بحيث يصير الصوت اللغوي في جميع سياقاته صوتا آخر، كتطور الباء المهموسة (p) في اللغة السامية إلى فاء في اللغات السامية الجنوبية وهي العربية والحبشية، بينما بقيت على الأصل في اللغات السامية الشمالية. وكتطور الجيم إلى دال في بعض اللهجات العربية الحديثة أو كاف مجهورة، والقاف إلى كاف مجهورة وغير ذلك.
الثانية المتعلقة بالمفردات: ومن الطبيعي أن يكون أوسع الأبواب انفتاحا لدخول الغريب والجديد في اللغة، إذ يستطيع اللسان الشعبي أن يولد مفردات جديدة تناسب مهنه، وتتلون تلون مجتمعاته المختلفة، فالمجتمع النسائي له مفردات وألفاظ تخالفها مجتمعات الرجال، وللأطفال مفردات تخالفها وهكذا، ويختلف أصحاب المهن في توليد المصطلحات، هذا في مجتمع واحد فكيف بالانتقال إلى مجتمع آخر حسب ما احتك به من الشعوب[3].
على أن القواعد سواء ما يتعلق منها بالبنية أو التنظيم لم ينلها في المبدأ كثير من التغيير بين اللهجات العامية العربية كالجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير وما إلى ذلك. حسب نظرة علي عبد الواحد وافي.
الثالثة المتعلقة بالدلالات: تتغير الدلالات تغيرا واضحا زمنيا ومكانيا، فاللفظ الواحد ينشأ في بيئة يعبر عن حقيقة وضعه لها، وتبقى هذه الحقيقة ملازمة له عبر زمان طويل من حياته، ولكن اللفظ ككل كائن حي يتأثر بالظروف والبيئات، فينموا ويتحول إلى صورة من التكيف الدلالي المناسب لكل ظرف فيبتعد عن حقيقته في بعض الأحيان.. ولقد حاولت كتب لحن العامة، والتصحيح اللغوي، وكتب التنبيهات على الأخطاء التعبيرية والدلالية أن تترصد هذه التغيرات في اللسان الشعبي، وتسجل لنا ظواهر كثيرة مما غيرته العامة فأخطأت في دلالته، وغيرته إلى ما يناسب ذوقها أو حياتها الخاصة والعامة، فمن ذلك ما شاع في استعمال المغاربة اليوم عند نزول المطر قولهم: (نزل اليوم شتاء كثير)، وليس هذا التغير الدلالي حديث عهد بالمغرب، بل هو امتداد لما يزيد على ألف عام من لهجات الناس في الأندلس والمغرب، قال الزبيدي: ويقولون نزل اليوم شتاء كثير، يعنون المطر، ويوم شات، قال محمد بن الحسن الزبيدي: "والشتاء فصل من فصول السنة، كالربيع والصيف وليس بواقع على المطر".. ومن الشائع في كلام العوام وهو أيضا من الخطأ الدلالي المتوارث قولهم: (فلان يستأهل ما حصل له)، فيستعملون استأهل في غير معناها، لأن دلالتها الحقيقية هي: اتخذ إهالة، وهي ما يؤتدم به من السمن أو الزيت، وقد أشار الأصمعي وابن قتيبة والمازني والأزهري إلى خطأ استأهل بمعنى استوجب واستحق ونبه الحريري في درة الغواص على ذلك فقال: ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب، ولا صوبهما أحد من أعلام الأدب، ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق التكرمة، وهو أهل للمكرمة. نستنتج أن الألفاظ اللغوية متى غير عن دلالتها الحقيقية أصبحت بذلك لهجة.
ويمكن تلخيص الموضوع في النقاط التالية:
1-على ضوء علم اللغة لا فرق  بين  لغة و لهجة, فكل لهجة هي لغة قائمة بذاتها بنظامها الصوتي, وبصرفها, وبنحوها, وبتركيبها, و بمقدرتها على التعبير.. ومن المعروف أن العرب القدامى لم يستعملوا مصطلح "اللهجة" على النحو المعروف في الدرس اللغوي الحديث بل إنهم لم يستعملوه قط في كتبهم, وغاية ما وجد عندهم هو ما ترددهُ معاجمهم من أن "اللهجة" هي اللسان, أو طرفه, أو جرس الكلام, و لهجة فلان: لغتهُ التي جُبِلَ عليها, وكانوا يطلقون على اللهجة "لغة", أو "لُغية".
2-أن  اللغة  هي التي تغاير لغة أخرى بأصواتها و بمفرداتها, وبتراكيبها مغايرة لا يستطيع معها أن يتفاهم زيد وعمرو، أما إذا كانت الفروق في الأصوات, و المفردات, والتركيب من النوع الذي يمكن فيه التفاهم  بين الجماعات, فإن هذه تُحسب لهجات, وهذا الرأي يجعل التفاهم مقياساً للفرق  بين  لهجة ولغة.
3- العلاقة بين واللهجة هي العلاقة  بين العام و الخاص, فاللغة تشمل عادة على عدة لهجات, لكل منها ما يميزها, وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعةٍ من الصفات اللغوية, والعادات الكلامية التي تؤلف لغةً مستقلة عن غيرها من اللغات. 
وفي الأخير يمكن أن نصل حسب رأيي إلى أن لغة التواصل اليومي التي تنعدم فيها القواعد ويغيب فيها الانضباط باللغة الأصلية إنما هي لهجة، ومتى ارتقت إلى الرسميات والمعاملات العامة فهي لغة، كما أن اللغة بهذا المفهوم تستطيع أن ترقى إلى سدة الإبداع لتنحى منحى الجمالية عند أصحابها، دون اللهجة اليومية التي تعتبر مباشرة آنية الاستعمال لا مجال الإبداع فيها. ومما يؤكد ذلك ما يلاحظ في كل الدول العربية من توحدها على لغة واحدة في خطاباتهم الرسمية وإعلاناتهم وإذاعاتهم، يمكن أن يفهمها العراقي في بلده كما يفهمها المغربي وغيرهما، دون اللهجة اليومية التي تختلف حسب اختلاف البلدان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] عبده الراجحي فقه اللغة في الكتب العربية.

[2] علم اللغة: علي عبد الواحد وافي.

[3] د. رشيد العبيدي. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش. عدد مزدوج: 16-17.

الأحد، 18 أكتوبر 2015

بحث نقدي حول خطاب الواقعية وخطاب الفكر الحضاري في إبداع الشاعر معروف الرصافي


خطاب الواقعية ومقومات الفكر الحضاري
في شعر معروف الرصافي

د/ محمد الأمين شيخة
  جامعة  الوادي ـ  الجزائر


تقديم:
يُعدُّ الشاعر مَعْرُوف الرُّصَافِي * (1292 ـ1365 ه/ 1875 ـ 1945 م) من شعراء النخبة العرب في مسار الأدب العربي الحديث كشاعر, وكاتب أسهم ــــــ بما يدعو إلى الشك ــــــــ في بلورة مقومات الفكر الحضاري العـربي وواقعه الزاخر بالأحداث والمواقف الفكـــــــــرية والسياسية و الإنسانية والثقافية و الروحية .., فأعماله الخالدة متنوعة وكثيرة في مجالات الشعر والنثر واللغة والأدب عامة , إلى جانب تجاربه الحياتية عبر البلدان التي مرَّ بها , وأهمها العراق, وفلسطين,  وتركيا , فكان بذلك الأجدر من غيره من الشعراء والكتاب في عصره بان يحمل لواء الإصلاح والبعث والتجديد , ومن ثمة ترسيم مقومات هذا الفكر الحضاري في أمته , وأن يقف واصفا لكل مظاهر الحياة التي مرَّت بها هذه الأمة في فترات حياتها, وذلك كله عبر خطابه اللساني المتميز شكلا ومضمونا , فقد قيل في شعره بأنَّه (( ...سلسٌ متين اللغة رصين الأسلوب, نزع فيه نزعة إصلاحية , ونقل فيه أحداث عصره , ووصف الحياة الحاضرة في مناحيها المتنوعة , منها ما هو اجتماعي وسياسي, ونهج فيه طريقة الأقدمين في التعبير والصياغة , وتطرق لأغراضهم  المختلفة , واعتنى بالقوافي الموسيقية وبالصياغة اللفظية  )) (1) .
ومما سبق ذكره سنحاول في هذا البحث المتواضع التطرق إلى انعكاس ملامح الفكر الحضاري بأوجهه الاجتماعية والإنسانية والموضوعية والعقدية والفنية على الخطاب الشعري ذي الطابع الواقعي عند هذا الشاعر في محاولة لقراءة هذه المقومات المنطوية ضمن السياقات والأساليب الفنية التي ميزت هذا الخطاب الشعري.
الموضوع:
تقــــــــــــوم حضارات الأمم على أساس جملة من مقومات عـــــــــدّة لخَّصها علماء الاجتماع و ببساطة في مقومين هامين هما: الإبداع المادي والإبداع الفكري (المعنوي) ولا يمكن أن يتحقق هذان المقومان إلا في ظل توافر شروط أساسية ومعطيات قاعدية لقيام أي حضارة, ومنها عامل الزمن والموارد الطبيعية, وإذا كان المقوم  الأول (المادي)  ضروريا للممارسة الحياتية العادية للإنسان , فإنَّ قيام أي الحضارة مرهون بتوافر وارتباط المقوم الثاني (الفكري) بالأول, وبخاصة إذا تجلى هذا الإبداع الفكري في قالب فني جميل يعكس ذوق المبدع وأحاسيسه وهي مَهمَة لا توكل إلا للقلة من مبدعي الحضارة, ومنهم الشعراء والأدباء الذين ينطلقون في إبداعاتهم من همومهم وخواطرهم وصراعاتهم مع المجتمعات والطبيعة والكون (2 ), وهو ما ميز بعض شعراء العراق, ومنهم شاعرنا معروف الرُّصافي الذي طرق موضوعات الشعر القديم وأغراضه مع بعض ((... الإضافات والتعديلات التي أملتها الحياة الحاضرة , ولم يكن بدٌّ من التعرض لها من  باب الصـدق الواقعي  أو ما تصح تسميته بالإصلاح الاجتماعي الحديث )) (3 ) . والمتتبع عن قرب لمضامين وأفكار وأساليب الخطاب الشعري عند معروف الرصافي يلمس ذلك الثراء والتجديد في الأفكار مع أصالة الأساليب وسلاستها إلى حدّ البساطة في الطرح والصياغة اللغوية , وهو في كل ذلك يتجه صوب ثلاث جهات أساسية :أولها جهة الأدب التقليدي المحافظ على أسلوبية في التعبير لم تحد عن خطوطها العريضة إلا فيما نذر, وثانيها وجهة أخرى هي الجوانب الذاتية النفسية التي تميز شعره عن باقي أقرانه من الشعراء , وأخيرة تتمثل في  الجانب التعليمي الاجتماعي التربوي الذي يرمي فيه إلى نشر المبادئ و الأهداف بقصد المنافسة أو التحدي أو بقصد التقليد والمماحكة ....  وإذا كان شاعـرنا من الذين حملوا لـواء الإصلاح و البناء الحضاري في واقع المجتمع العربي , فلا بـدَّ أن تكون له صَولات وجَولات في هـذا الجانب من خـلال بلورة  فـكر الواقعية العربية في ذلك العصر والسير بها قدما  لرصد الواقع العربي  بكل سلبياته  طلبا لترسيم جملة من القيم أو المقومات الحضارية الكفيلة ببعث حضارة جديدة  ولو عبر هذا الخطاب الفني الفكري وفق مستويات وأساليب
متفاوتة.
أ ـ خطاب الواقعية الاجتماعية:
لا يمكننا وفي هذا السياق أن نعزل الخطاب اللساني (الأدب) عن الواقع الحياتي للإنسان , فالأدب عند اللساني الغربي (تازفتان تودوروف) ــــ على سبيل المثال لا الحصرــــــــ (( ... فكر ومعرفة للعالم النفسي والاجتماعي الذي نسكنه , والواقع الذي يطمح الأدب إلى فهمه هو , وبكل بساطة التجربة الإنسانية, لذا يمكن القول أنّ (دانتي) أو(سير فنتيس) يُعلماننا عن الوضع البشري على الأقل مثلما يعلمنا أكبر علماء الاجتماع وعلماء النفس...)) (4 ) .

إنّ من المقومات الفكرية التي طرقها الشاعر معروف الرّصافي في نظمه هو إحساسه بالانتماء إلى حضارة الأمة العربية الإسلامية بكل خلفياتها التاريخية والفكرية والسياسية والدينية ...وأهمها اللغوية  وفي هذا الصدد فقد أحسَّ  شاعرنا بثقل المسؤولية نحو هـــــــذا الجانب ( اللغوي) والأمة التي ينسب إليها فحاول بمنظار فاحص وثاقب وبإحساسه المرهف رصد حال هذا اللسان البيِّن وحال هذه الأمة في بوتقة واحدة تحت عنوان واحد موحد هو القومية العربية بكل ما تتسع وتوحي به هذه الكلمة عند القوميين العرب دون التفريط في أي مقوم من مقومات الوحدة التاريخية والبيئية واللغوية ... ..والتي هي بدورها تشكل واقعا معيشيا واحدا عبر كل مراحل التاريخ إلى نهاية هذا الواقع بنهاية هذا العالم ومن هنا يبرز دور الأديب أو الشاعر في تــــــــرجمة هذا الواقع الحال في صورة أصدق وأجلى بعيدا عن مجرد التنميق والتزويق الشكلي, فإذا كانت غاية الأدب ـــــــــــــــ كما يصرح الدكتور الطاهر أحمد مكي ـــــــــ عند المعاصرين هو الأدب بـــــذاته لجماليته الشكلية , فإن غايته التي تنقضي أو تنتهي أو تزول إلا بزواله هي التعبير والتصوير والتوصيل ((5 )), ولقد استطاع شاعرنا أن ينقل هذه الفكرة عن طريق تصوير واقع هذه الأمة الاجتماعي والفكري ليتخذ منه مطية  ووسيلة ًقصد تحليل الواقع بتشخيص الداء ومن ثمة وصف الدواء بطريقة ضمنية خفية لا تتجلى إلا بزوال تلك الحجب التي تغشى العقول , ونجد ذلك ضمن نماذج شعرية كثيرة ومنوعة أجــــــلاها ما أورده في قصيدة بعنوان (نحن والماضي)  إذ يقول في مطلعها :
أَرَى مُسَتقبل الأَيـــــام أَولى + بمَطمح َمن يُحاول أن يَسوَدا     
فَما بَلغ المقاصدَ غَير سَاع + يُردد في غــــــــــد نظرا سَديدا
إلى أن يقول :
وهل إن كانَ حاضرنا شقيا  + نسُود بكون ماضينا سَعيدا
تقدّم أُيُّها الــعربي شوطا  + فـإنّ أمامَك العيش الـــــــــــرغيدا  
فَدعني والفخَار بمَجد قوم + مَضى الزمن القديم لهم حَميدا

ا
 ويخلص بقوله:
وقد عَهدوا لنا بتراِث ملِك + أضعنا في رعايته العهودا
وعاشُوا سادةً في كل أرٍض + وعِشنا في مواطننا عَبيدا
وبهذا تكتمل الصـــــورة عند الشاعر عندما يربط الحاضر بالماضي ليبرز تلك المفــــارقة العجيبة بين حال الأمة في الماضي المجيد,وبين حال هذه الأمة نفسها في حاضرها الأليم و الـدرامي عن طريق التصوير بالتناظر بين الحالتين المتباينتين , ليصل في الأخير برسالة ضمنية لذوي العقول والألباب الـــراجحة علَّها تساعد على بعث مقوم حضاري وأساس من مقومات  الأمة ألا وهو  التراث الفكري واللغـــــــوي ومجد رواده الأوائل الذين أقاموا حضارة من العلــــــــوم والثقافة والآداب لا تزول بزوالهم ولا تنافسها فيها حضارات أُخر  .
ومن المقومات الحضارية التي تقوم عليها أي حضارة في إطار هذا المجال الاجتماعي هو فكرة ( التكافل الاجتماعي) الإنساني المحض الذي لا يختصُّ بأمـــــــة عن أخرى ,  بل هو الرابط والخيط المشترك بين كل الحضارات , وفي هذا المجال خَصّ شاعرنا قصائد دُرَر في هذا الجانب انطلاقا من إيمانه بأنَّ الحياة اليومية للإنسان في حركتها الدائبة والمتقلبة و المتصارعة مع الــــــــــواقع تخلق العديد من النماذج البشرية (الــــــــدرامية) التي يستحسن الوقــــــوف عندها لأنَّها من جهة  ذات سلطان على الوعي البشري فهي بمثابة المؤشر الحقيقي لنهوض وتطور أي حضارة ومن جهة أخرى  تمثل أفكارا أومعان إنسانية مصورة حية تنبض بمن تمثلها من فئات اجتماعية, وإذا كان أساس وجودها الفني يعتمد على الإقناع ,فإنّ هذا الإقناع لا يتوافر لها إلا في الأدب الموضوعي ((6))
ولهذا الهدف لـم يفـوت شاعرنا فرصة الـوقوف على بعض هـــــــذه النماذج البشرية الحيّة التي تمثل صورة إنسانية ونموذج يعكس من خلاله آلام وآهات فئة معينة من المجتمع, وهو بمثابة النموذج الخاص للحالة الإنسانية التي تعكس إطارا عاما لفئات إنسانية أخرى ,  وهو ما لمسناه جليًا من خلال بعض الشواهد الشعرية عند الشاعر ومن أبرزها قصيدة (الأرملة المرضعة) عندما يقول :


هَذي حكايَة حَال جئت أذكرُها + وليسَ يَخفى على الأحرار مَغزاها
أولى الأَيام بعَطفِ الناسِ أرملةٌ + وأشْرفُ الَناسِ مَنْ بِالمَال َواساها
ـلقَيتُها ليْتنِي ـمـَــــا كُنتُ ألقَاهَا  +  تَمْشِي وَقَد أثقلَ الإملاق مَمْشاها
أثْوابُها رَثــــــــةٌ والــــــــرِّجل حَافيةً  +  وَالـــــدَّمع تذرفهُ في الخدَّ عَيناها
فمن خلال تتبع هذه اللوحات الدرامية بسيطة الشكل عميقة  المضمون نلحظ ذلك العرض المأساوي الذي انبنى على التصوير والوصف الدقيق بعد التشويق الذي تصدر به الشاعر والتوجيه الصـــــريح منه قصد التنبيه إلى العبرة المنتظرة منه , ومن ثمة الغـــــــــــوص في غمار اللوحات الدرامية المتعددة إلى آخر هــــذا المشهد كي يتسنى لشاعــــــرنا في هــــــــذا الخطاب التذكير بمقوم أساس مــــــــــــــن مقومات الحضارة الإنسانية  ألا وهـــــــــــــو فكرة التكافل الاجتماعي الذي يبدأ أولا بأول من الإحسان و الإشفاق على ضعاف الخلق ثم يتعداه إلى صور أخرى كثيرة ومتعددة .
ب ـ خطاب الواقعية المادية والكونية:
لم يغفل معروف الرَّصافي الواقع المادي للحضارة الإنسانية برمتها بوصفه أحد أهم متطلبات الحضارة الراقية التي ترمي إلى تجسيدها أمة من أمم , والواقع المادي لأي حضارة يتطلب وجود المادة الحيّة في حياة الإنسان سواء أكانت هذه المادة طبيعية أو مصطنعة بأيدي البشر أنفسهم  ولقد أكد فلاسفة العصر الحديث والمعاصر وحتى القدامى  على ضرورة تواجد المادة في حياة الإنسان, وأشهرهم في هذا المجال العالم والفيلسوف الاجتماعي (ابن خلدون) في كلامه عن فلسفة العمران وحديثا الفيلسوف الجزائري  (مالك بن نبي) الذي أشار في محض حديثه عن الحضارة إلى وجوب توافر ثلاثية (الوقت /الإنسان/ التراب (المادة الطبيعية) ) لنشوء أو قيام أي حضارة , وليس خاف على أحد أن توافر المعطى المادي (الطبيعي) والميزات الكونية التي وهبها الله تعالى وأضفاها على مخلوقاته المادية والمحيطة بالإنسان تحيل هذا الأخير ـ وقبل التصرف بها ـإلى التدبر في أسرارها وخفاياها الكونية التي لا تتوافر في المعطيات المادية المصطنعة التي يستطيع هذا الإنسان بعقله وفكره الوصول إليها , ومن هنا كان لزاما على الشاعر إن يشير إلى فكرة التسليم والإيمان بالذات الإلهية كحالة حضارية يلجأ إليها العبد عند التدبر والتفكر في خلفيات هذا الكون

 وربما عندما تنغلق عليه آفاق العلوم والبحوث , ومن النماذج الحية في هذا المجال ( المعطى الطبيعي) قصيدة ( الله) , إذ يقول فيها:
انظرْ لتلك الشَّجرَه + ذات الغُصونِ الَّنضرَه
كَيفَ نَمتْ مِن بَذرَه + وكَيفَ صَارتْ شَجرَه
إلى أن يقول :
فأنظرْ وَقل مَن ذا الذِي + يُخرجُ منها الثّمرَه
انظرْ إلى الشَّمسِ التي +   جَدوتُها مُسْعرَه
وانظرْ إلى المَرء وقُل + مَن شَقَّ فيهِ بَصرَه
إلى قوله في الأخير :
ذاكَ هُو الله الذِي + وَيلً لمَن كفَرَه
ذُو حكمـــــــــَة بَالغةٍ + وَقُدرةٍ مُقتَدرَه
ومن خلال هذه  المقتطفات ذات اللغة البسيطة والمعنى الواضح والمباشر أقرَّ شاعرنا بوجود مقوم آخر من مقومات الحضارة الإنسانية , وهو بلا شك فكرة الإيمان بالذات الإلهية  التي أوجدت كل موجود على وجه البسيطة وسخرته ليكون بين أيدي هــــذا المخلــــــــوق الذي تـُـــــــــــــوكل له مهَمَة التدبر والتفكر في الكون وفي خالقه , ومن خلال هذا الإيمان بالكون تتجلى في روح وعقل الإنسان فكرة التكريم والتكليف من لدن الذات الإلهية ليسمو بها الإنسان كمخلوق فوق جميع المخلوقات الكونية وليكون الأجدر منها وبينها لتحقيق الحضارة المنشودة.
ولم يُهمل شاعرنا في مواقف أخرى التذكير ببعض المظاهر الكونية الطبيعية المحيطة بالمجتمع والإنسان العربي بالذات ساعيا إلى تذكير هذا الأخير بما حباه الله تعالى عن غيره من الأمم من مظاهر الطبيعة التي سُخرت له قصد استثمارها والتنعم بها دون الخوص في خفاياها الكونية (( وكأن الطبيعة ظاهرة طبوغرافية تاريخية يحرص على السؤال عنها ورصد تقلباتها واندثار آثــــــــــــارها القديمة ...)) (7 ). إذ نجده يتطرق على السبيل المثال إلى معالم طبيعية ثابتة بالعراق بلده الأول والأخير واصفا أنهاره وخلجانه قائلاً:
يا نَهرَ (عيسى) أينَ مِنك مَوارِدُ + عَذُبتْ وأينَ رِياضُك الخَضلاتُ
ماذا دَهَى نَهْرَ( الرُّفيل) مِن البَلى +حَيثُ المَجَاري فِيهِ مُندَرساتُ
كما تطرق الشاعر في مواقف عديدة لبعض المظاهر المادية الصناعية التي توَصَّل الإنسان الغربي قبل العربي ـــــــ وللأسف ـــــــــــــــ لاختراعها, والتي تمثل مظهرا هاما من مظاهر الحضارة الراقية وذلك كله انطلاقا من إيمان الشاعر بأنَّ العقل البشري الذي أودعه الله تعالى في الإنسان كفيل بأنَّ يترجم قدرة الله في عباده من خلال هذه المنجزات الصناعية   ومن صور هذا الافتتان بما سبق مقطوعته الشعرية في وصف قاطرة , قائلاً:
وقاطرٍة تَرمِي الفَضَا بِدُخانهَا  + وتَمْلأُ صَدْرَ الأرضِ  فِي سَيْرِهَا رُعْبَا
تَمَشَّت بِنَا ليلاً تَجرُّ وَرَاءهَا   +   قِطاراً كصَفِّ الدَّوحِ تَسحَبُه سَحْبَا
 إلى أن يستخلص هذا المشهد بقوله:
هُوَ العِلمُ يَعلُو بِالحَياةِ سَعادةً + وَيَجعُلها كَالعِلمِ مَحمُودةَ العُقبَى
وهو بذلك يؤكد على مقوم أساس من مقومات الحضارة الإنسانية الراقية , ألا وهو العلم الموضوعي المادي الذي يمدُّ البشرية ويساعدها في تخطي صعوبات الحياة اليومية ,   وليس العلم الهدام الذي يؤدي إلى دمار البشرية  وفنائها.
ج ـ خطاب الواقعية والصدق الفني:    
ينطلق مبدأ الصدق الفني من الاعتقاد الجازم بأنَّ الشعر ليس وسيلة للتعبير عــــــــن المشاعر فقط  وإنَّما هو قبل كل شيء تخلص من تلك المشاعر عن طريق التعبير الصادق والحقيقي عن تجربة إنسانية , وبذلك فالشاعر مُكلف قبل غيره من الناس بــــــــأن يدرك الواقع الاجتماعي بصورة أعمق وأبعد من تصور غيره من الناس , ولهذا فإنَّ شعوره إزاء المجتمع لا يمكن أن يكون مرآة هامدة تعكس العالم الحقيقي على نحو سلبي (( فالإنسان يسعى دائما في إدراكه للواقع إلى التأثير على مجرى تصوره , وهو يتخذ موقفا إلى جانب هذه الطبقة ــــ أو القوة الاجتماعية ـــــــ أو تلك ))  (8 ).
وهـــــــــــــــــو ما لمسناه ونحن نتتبع مــــــواقف الشاعر إزاء مجتمعه, تلك الموافق الصلبة التي تهدف إلى إصلاح هذا المجتمع الراكد والمتخلف عن ركب الحضارات الأخرى , وهي الموافق نفسها التي أدت به إلى الصدام مع السلطة مما كلفته العزلة والنفي والتشرد كثمن باهض جــــــــــراء ما أبداه من صدق وواقعية في علاج أمراض الأمة ودعوتها للتحرر من قيود القهر والتسلط  والكبت حتى بلغ به الحدُّ في بعض قصائده إلى اليأس والقنوط مما آل إليه حال الناس , ولقد صور شاعـــــــــــــــــــرنا هذا الواقع المزري في إحدى قصائده التي لم يتفطن لها جمهرة الدارسين في عصرنا ـ وبخاصة ـ وأنها تصور واقع العراق اليوم في ظل التناحر المذهبي والطائفي (6 ) إذ يقول:
يَا قَومُ لا تَتَكلمُوا +   إنَّ الكَلامَ مُحَّرمُ
نَامُوا وَلا تستيقظوا + مَا فازَ إلاَّ النُّوَمُ
وَتأخَرُوا عَنْ كلّ مَا + يَقْضِي بِأن تَتَقدَمُوا
إنْ قِيلَ :هَذا شَهْدُكمُ +  مَرٌّ فَقُولُوا عَلقَمُ
أوْ قِيلَ : إنَّ بِلادَكمْ + يَا قَومُ سَوفَ تُقسَّمُ
فَتَطرُبُوا وَتخَمَدُوا
وبذلك إتجه معروف الرُّصافي إلى التمرد المقرون بالإلتزام الصادق بقضايا شعبه وأمته العربية وتجلى ذلك من خلال قصائد كثيرة أظهر فيها اعتناقه للمبادئ والتزامه بقضايا بلاده وأمته , ويمكن بذلك أن نعدَّ  هذا الشاعر من رواد النهضة الذين فهموا أبعاد الأدب ((... فإذا هم يعطونه في واقعية إجتماعية , فيصدقون فيها , ويخلصون , وينتقدون واقعهم الاجتماعي , ويعملون على تغييره )) (10 ).
ومن خلال هذا كله  وما سبق تحليله  فقد استطاع هذا المبدع  ومن خلال مواقفه الصلبة أن يؤكد كذلك على مقوم يعدُّ  من أهم ركائز الحضارة الإنسانية الحديثة والمعاصرة , ألا وهو مبدأ التحرر والانعتاق من كل تسلط قاهر للفكر أو الإبداع وبذلك أمكن للفرد أو للمجتمع أن ينطلق في فكره وعمله بحرية تمكنه من يبلغ الآفاق ويحقق بذلك آمال شعبه وأمته.
خاتمة:
إنَّ هذا التوجه الذي وسم خطاب الواقعية عند الشاعر العراقي معروف الرُّصافي يؤكد بما لا يدعو إلى الشك على مقومات أساسية كفيلة بنهوض ورقي أي أمة أوشعب يريد بالفعل أن يحقق حضارة راقية تريد أن تستمر وتنهض , وهي مقومات إنسانية تتعلق بالإنسان في حدِّ ذاته, وأخرى إجتماعية تتعلق بعلاقة هذا الإنسان بالمجتمع, وأخرى كونية ترتبط بسلوك هذا الإنسان إزاء عوالم الطبيعة والمادة , وكل ذلك في قالب فني أدبي لم يتكلف فيه الشاعر عناء استحضار جميع قدراته الفنية ولا الجمالية المعهودة في هذا الصنف من الشعر الكلاسيكي بل اكتفى بالتعبير البسيط والمعنى المباشر الذي يسهل له التوصيل ويحقق له الأهداف النبيلة التي يصبو إلى تحقيقها لشعبه وأمته. 
                                 



الهوامش:
   
*
   شاعر وكاتب عراقي أصله كردي من مواليد بغداد , كانت حياته مليئة بالأحداث الثقافية والسياسية , انصرف في حياته للعمل في التدريس وخاض غمار السياسة , ثم استقال منها جميعا ليتفرغ لقرض الشعر كأداة ووسيلة للإصلاح والبناء , خلف ديوانا ضخما يعرف باسم (الرُّصافيات) إلى جانب بعض المقالات والقصائد المنسية المتناثرة هنا وهناك .
1 ـــــــ ابن عباس / مصطفى رسام : تراجم الشعراء والأدباء ,مطبعة النجاح الجديدة ,2005 م المغرب , الدار البيضاء , ص 278 .
2 ــــــــــ ياسين الأيوبي : مذاهب الأدب (معالم وانعكاسات) , ج1 ,دار الإنشاء , 1980 م , لبنان , طرابلس , ص 266 .
3 ــــــــ المرجع نفسه , ص 191 .
4 ـــــــــــ  تزفيان تودوروف : الأدب في خطر ,( ت ) عبد الكبير الشرقاوي , دار توبقال للنشر ,2007 م,  المغرب , الدار البيضاء , ص 45 .
5 ـــــــــــ الطاهر أحمد مكي : الأدب المقارن (أصوله وتطوره ومناهجه) , مكتبة الآداب ,2001 م , مصر , القاهرة , ص 235 .
6 ــــــــــ   المرجع نفسه , ص361 .
7 ــــــــ   علي عباس علوان : تطور الشعر العربي الحديث في العراق , وزارة الإعلام العراقية , 1975 م , العراق , بغداد , ص 140 ,141 .
8 ــــــ شكري عزيز ماضي : محاضرات في نظرية الأدب , دار البعث , ط 1 , 1984 م , الجزائر , قسنطينة , ص 168 .
9 ــــــــ إبراهيم السامرائي :أشتات في الأدب واللغة , دار الكتب والوثائق القومية ,ط1 ,2001 م , مصر , القاهرة , ص 93 ,94 .
10 ـــــــ  كاظم حطيط : دراسات في الأدب العربي , دار الكتاب اللبناني / مكتبة المدرسة , ط1 , 1977 م , لبنان / مصر , ص 348 .

الخميس، 21 مايو 2015

إرشادات للطلبة المقبلين على الامتحانات النهائية



                                                          نصائح مفيدة لنتائج أكيدة 



                                                                 بسم الله الرحمن الرحيم      


                                                            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هذه نصائح قد يعتبرها البعض صعبة التطبيق.. لكن بالإمكان اختيار ما يتناسب مع ظروف الشخص ونفسيته، وترك ما لا يتناسب معه.
النصيحة الأولى: تبادل أرقام الهواتف.
من الضروري جدا أن تتعرّف على اثنين أو أكثر من الطلبة في كل مادة من المواد، وأن تبادلهم أرقام هواتف. سيكون لديك بذلك من تستطيع مناقشته في المعلومات التي تعلمتها. كما أنك ستحصل على نسخ من الملاحظات والمعلومات والإعلانات التي دونت في المحاضرة في حالة غيابك عنها.

النصيحة الثانية: جهّز نفسك ذهنيا.
مارس عملية التأمل لتهدئة نفسك وتصفية ذهنك من جميع المشاكل والهموم قبل البدء بالدراسة. إن لم يسبق لك محاولة الاستغراق في التأمل، يوجد بالمكتبة العديد من الكتبة الجيدة حول "كيف يمكنك" ذلك.
إن كنت تعتقد أن هذا الأمر لا يناسبك، استخدم أساليبك الخاصة لتهدئة نفسك وتصفية ذهنك. قد يكون من المفيد تجربة قراءة جزء من القرآن، أو صلاة ركعتين، أو أداء بعض التمارين الرياضية. لا يهم ما تعمله ما دام يدي إلى تصفية ذهنك قبل البدء بالدراسة.

النصيحة الثالثة: التبسيط.
ستمرّ عليك أثناء دراستك فقرات تبدو صعبة الحفظ. حاول أن تبسط هذه الفقرات إلى نقاط رئيسية مكوّنة من أفعال وأسماء. لنأخذ هذه الفقرة على سبيل المثال:

التشكيل الثقافي هو التعليم على ربط عاملين في البيئة ببعضهما. العامل الأول يؤدي إلى رد فعل أو شعور معين. العامل الثاني محايد بطبعه بالنسبة لردة الفعل ، ولكن عند ربطه بالأول يحدث رد الفعل المتشكل عند الشخص منذ الصغر. مثال على التشكيل الثقافي أن كلمة وجه القمر تشير إلى الجمال عند العرب ، لكنها تشير إلى القبح عند الأمريكيين.

بدلاً من قراءة كل كلمة، يمكنك تفكيك القطعة بصرياً:

التشكيل الثقافي = التعليم = ربط عاملين
العامل الأول يؤدي إلى رد فعل
العامل الثاني = محايد بطبعه. لكن بعد ربطه بالأول --- يحدث رد الفعل.

النصيحة الرابعة: الترتيب الهجائي.
يمكن للترتيب الهجائي أن يساعد في حفظ المعلومات. افترض أن عليك تذكّر الأطعمة التسعة التالية: فاصوليا، فول، شمندر، لوبياء، فراولة، لحم، شعير، فجل، لوز.نلاحظ هنا أن الأسماء مقسّمة إلى ثلاثة حروف هي (ش، ف، ل) –كالشعير، الفول، اللوز... الخ.قد يساعد هذا الترتيب على الحفظ. استخدم خيالك لإيجاد أن نظام يساعدك على التذكّر.
النصيحة الخامسة: تعلّم بينما أنت نائم.

أخيرا اقرأ أي شيء تجد صعوبة في تعلّمه قبل الذهاب للنوم مباشرة. يبدو أن تماسك المعلومات يكون أكثر كفاءة وفاعلية خلال النوم. إن عقلك "النائم" أكثر صفاء من عقلك "المستيقظ".الكتب يمكنك تثبيت المعلومات في عقلك باتباع أساليب بسيطة، من أهمها (تخطيط وإبراز) الأفكار الهامة في الكتاب. وهذه بعض الأمور التي قد تساعدك في عمل ذلك:

•اقرأ قسماً واحداً فقط وعلم ما تريد بعناية.
•أرسم دائرة أو مربع حول الكلمات المهمة أو الصعبة.
•على الهامش رٌقم الأفكار المهمة والرئيسية.
•ضع خطاً تحت كل المعلومات التي تعتقد بأهميتها.
•ضع خطاً تحت كل التعاريف والمصطلحات.
•علم الأمثلة التي تُعبر عن النقاط الرئيسة.
•في المساحة البيضاء من الكتاب أُكتب خلاصات ومقاطع وأسئلة.