البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

البهجة ((تقرت)) عروسة الواحات

الأحد، 8 يوليو 2012

التلقي المكاني في القصص القرآني ( خطاب القص القرآني )
-      قصة ثمود أنموذجا –
أ : عقيلة قرور
معهد الآداب اللغات
  جامعة  الوادي
          

                                             


تمهيد :
المكان عنصر هام في بناء القصة وتركيبها ، إذ يعد الإطار الذي تنطلق منه الأحداث ، بل يتجاوز كونه مجرد إطار لها ، ليصبح عنصرا حيا فعالا في هذه الأحداث التي لا يمكن أن تتم في الفراغ ، بل لابد لها من مكان تقع فيه ، كي تأخذ مصداقيتها ، وتتم عملية تبليغها بنوع من المصداقية إلى الملتقى (1) ومن هذا المنطلق جاء المكان مشحونا بدلالات اكتسبها من خلال علاقته بالإنسان (2) .
المكان في القصص القرآني :
والقران الكريم ينظر إلى المكان في قصصه على اعتبار تحديده " فهو لا يلتفت لذكره إلا إذا كان له وضع خاص يؤثر في سير الحدث ، أو يبرز ملامحه ، أو يقيم شواهد نفسية وروحية تفتقدها القصة (3) .
ويمكن أن نرصد في السرد القرآني حالتين لذكر المكان ، تشمل إحداهما : إرفاق الأحداث بالأمكنة التي دارت فيها وذلك عندما يكون لذكر المكان في القصة وضعا خاصا أي ليس عارضا ، بل هو متمما للحدث ، ذكر بقصد العبرة والموعظة أو كان هناك في ظهوره وذكره ضرورة يقتضيها الأسلوب الفني المرتبط بغايات الحدث في القصة ، ثانيها : إخلاء الأحداث من مكان معلوم .
وفي هذه الحالة فان السرد القصصي القرآني لا يورد المكان ولا يجر له ذكر ، لأنه ليس هناك ما يدعو إلى ذلك .
وما يمكن أن نسجله على هذا اللون من الأحداث الحالية من ذكر المكان ، هو أن لها وقع شديد على الملتقى ، فهي تشد النفوس إلى سنن الله العامة في خلقه التي لم يشر لها بمكان أو زمان وتشد مخيلات الناس إلى التلقي الكامل (4) .
لقد كان لذكر المكان بمميزاته وقع على سير الحدث داخل البناء القصصي وعلى السياق التوجيهي للقصة في جملتها ، وذلك حين تعلق الأمر بالموعظة ، تاركا المكان فضاء مفتوحا للذكر والاعتبار بمصير أولئك الراحلين على غير هدى الله ، فكان بذلك شاهدا على الموقف ، كما كان شاهدا على العواقب التي نزلت بأهله حين اجتاحهم دمار شامل ، فتحول المكان من خلال تلك الأحداث من الخصب والعمران والخير ( أتتركون في ما هاهنا امنين ، في جنات وعيون و زروع ونخل طلعها هضيم ) (5) إلى الخراب ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ، إن في ذلك لأية لقوم يعلمون ) (6) ، ولعل تأويل المكان بصفته معطى حيويا في العملية الإبداعية ارتبط بالسياقات ( الرؤيوية ) أي بعملية المشاهدة والتلقي (7) .

التلقي المكاني في قصة ثمود :
رسم السرد القرآني المكان الذي جرت به أحداث قصة ثمود معالمه المادية والطبيعية على طريقته الخاصة  في تقريب الصورة لذهن المتلقي ، وذلك بالتفنن في عرض زوايا المشهد المكاني ، وذلك لكي يبدو أكثر انسجاما مع حركة الشخصيات ، وهي تؤدي وظيفتها الحيوية في تنوير الحدث داخل بنية القصة في إطار تصويري بلغ من الروعة مبلغ التفنن والإعجاز ، إذ لم ينقله بطريقة وصفية ولكن تم نقله " بطريقة تصويرية تجلى فيها الفن وجمال العرض وروعة الأداء التعبيري " (8) ، بحيث أعطت المعلومات وزودت المتلقي ( القارئ ) بالدلالات المصاحبة لذلك ، ومن ثم منحت التصوير المتكامل للموقف تكاملا في الشعور والتأثير والجمال .
ويمكن تلقي المشهد المكاني من خلال عرض صورة عن معالمه المادية بالطريقة الآتية :
أولا : تعيين مكان الحدث
ذكر المكان وثم تعيينه في قصة ثمود لأنه له كيان خاص ، وله اثر يتعلق بالحدث مباشرة وذلك لعله تلوينه بلون خاص يقع عليه من ظلال المكان فتبرز فيه ملامح خاصة (9)
إن تعيين المكان في هذه القصة هو الذي استقطب السرد القرآني ، وذلك لان تعينه هو البؤرة الضرورية التي تدعم السرد وتنهض به في كل عمل قصصي .
وقد كان لهذا تأثير على نمو الفكرة العامة التي يدور حولها الحدث بحسب ما تتطلبه الغاية من وجود القصة داخل النص القرآني .
ويمكن فهم صلات التداخل التي نتجت عن ذكر المكان القصصي وتعينه " بالحجر " في قصة ثمود على انه كان في خدمة الحدث في أن ينمو داخليا ، وذلك بحساب الانعكاسات التي تفرزها مواقف قوم ثمود في مرحلة البعثة والدعوة للنبي الله صالح عليه السلام ، والتي قوبلت بمعارضة التي شهد الحجر نتحتها لاحقا وذلك عندما أصبح هذا المكان بمعالمه الطبيعية معرضا للعذاب ، فتحول الى بقايا اطلال دراسة وقفت شاهدة لتبعث في النفوس والعقول للتأمل والتدبر ، وتثير في الوحدات الانساني كوامن الاعتبار ومشاعر العظة لاسيما عندما تمر بتلك المساكن فتراها مقفرة لا أنيس بها مصداقا لقوله تعالى : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) (10) .


ثانيا : تلقي صورة المنجز المادي المكاني في قصة ثمود
إن رسم المكان وتصوير مظاهره الطبيعية قد عمق في الرؤية وزاد في تقريب صورة المكان وهو يجري وسط الجبال والسهول والجنان والعيون ، والنخيل والقصور ، وكلها مظاهر لها وقعها النفسي في ايثارة مجالات الحس والذهن عبر ظلال اللون والحركة وهذا المعني الممثل يثير همة المتلقي الى أعمال الفكر وكد الذهن في استجلاء (11) ، النصوص القرآنية وما حملت من المعاينة التعبيرية والتصويرية في كل من سورة الأعراف : ( واذكروا إذا جعلكم خلفاء بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا ألاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) (12) .
وفي سورة الشعراء : ( أتتركون في ما هاهنا امنين ، في جنات وعيون ، و زروع ونخل طلعها هضيم ، وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ) (13) .
وفي سورة الفجر : ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) (14) .
إن السياق السردي في النصوص القرآنية المذكورة يوضح أن المكان قد تشكل إطاره من معالم طبيعية : من جبال وسهول وصخور وأودية وجنات وعيون ونخيل و زروع ومعالم مادية من قصور وبيوت منحوتة في الصخر ، ساعدت على رسم مشاهد المكان في صورة متحركة تنبض بالحياة .
إن هذه المظاهر هي التي لعبت دورا أساسيا في تقديم صورة عن المكان وصلته بسلوك قوم ثمود ، فمكان يتمتع بخصائص جمالية من جنات وعيون و زروع وسهول وخضرة يكون له اثر في تهذيب الطبائع وترقيق المشاعر ، والتلطف في المعاملات وصفاء النفس والخاطر بما من الله عليهم " إذ جعلهم في مأمن ، وانبت لهم من الجنات وفجر لهم من العيون الجاريات واخرج لهم من الزرع والثمرات " (15) .
التلقي البصري للمعمار المكاني في قصة ثمود :
ما ميز المكان في قصة ثمود انه ارتبط بثقافة ساكنيه ، واتصل بنمط تفكيرهم عاكسا بذلك صورة شخصياتهم ، وطريقة تعاملهم مع المكونات المادية للمشهد المكاني وهم يقيمون في مساكنهم ويمارسون وظيفة البناء وتعمير الأرض في ذلك الظرف الزمني البعيد ، وفق فلسفة معينة عبروا لها عن رؤيتهم للحياة وما بعد الحياة ، إذ كانوا يرون انه عليهم أن يعدوا لأنفسهم مكانا لائقا بعد الموت لتستريح فيه أجسادهم من عناء الحياة وانطلاقا من هذه الرؤية جاءت المظاهر الخارجية للقبور على غاية من الزخرفة والزينة والبهاء والجمال ، لتدل على قدر أصحابها ، ومن هنا ظهرت فكرة تلك الرسوم الزخرفية والهندسية التي تملا واجهات المدافن ، ومن هنا أتت أيضا دقة النحت التي يتميز بها عدد ضخم من تلك المنشات (16) .
ولهذا السبب بنوا البيوت الحصنية في صلب الجبال ليكونوا في مأمن من كل شيء ويتضح أن قوم ثمود في بنائهم للبيوت والمدافن إنما كان نابعا من نظرة لا تعرف من الحياة إلا جانبها المادي ، ونفوس طارت الى حب الدنيا ومتاعها وزخرفها ، فهي تريد التباهي في الحياة بما بنت من قصور عالية وبيوت شامخة ، والتباهي بعد الموت بما تركت من مساكن ومدافن لاسيما " العائلات المالكة والأثرياء ، وكبار التجار وغيرهم ممن كانت تتوفر لديهم الثروة لبناء تلك المدافن ، يرغبون في إظهار ما هم عليه من النعمة المادية ، وما هم عليه من القدرة في بناء قبور عائلية ، فكانوا يطلبون من الفنان المكلف بانجازها أن يصب كل قدرته الفنية علة الواجهة ، بينما لا يوجه سوى القليل من اهتمامه الى الداخل " (17) ، وهذا ليريح الناظر من الخارج ، ليغدو المشهد المكاني في القصة هو الواجهة التي تعكس صورة الشخصية الثمودية بأبعادها النفسية والذهنية والسلوكية في سعيها لتعمير الأرض بشتى طرائق البناء وذلك بغرض العبث والإفساد والعشوائية كما توضحه الآية القرآنية المذكورة ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) .
والظاهر أن المكان في اثر الآية قد تحول الى مجال مفتوح على العبث والفساد والتفنن في إرضاء الهوى ، واقبل لساكنوه على الملذات واشتد الغرور بأنفسهم لما رأوا أنهم أول أمم الأرض سبقا ومعرفة بفن نحت البيوت من الصخر ، فأغراهم هذا بالفساد في الأرض فكانوا بذلك قد " أضاعوا الجانب الأهم في الإنسان ، وهو الجانب الديني وزكاة النفس وأهملوا أن يقصدوا من أعمالهم المقاصد النافعة ونية إرضاء الله " (18) .
التلقي المكاني وأبعاده الوظيفية في قصة ثمود :
صور السرد القرآني المكان في قصة ثمود من عدة زوايا ، وعرض مشاهده بطريقة فنية متنوعة ، واصفا إياه بأنه كان موطنا للخير والبركة بما أفاء الله عليه من نعم ، وانه كان بؤرة للفساد ، بما كان عليه أصحابه من العناد والاستكبار والكفر والغرور وحب التفاخر .
ونظرا لعلاقة المكان بالحدث وارتباط الواحد منهما بالآخر في القصة ، يكون الوصف والتصوير الذي قدمه السرد القرآني قد نزل بصورة مباشرة في نسيج القصة دافعا بالحدث الى الإمام لتنمو فكرته وتتطور من الداخل وهي تتفاعل مع الشخصية و وظيفتها الحيوية ، ضمن الظروف الزمنية التي يفرضها " منطق الأحداث ووظائف الشخصية وزمن الخطاب " (19).
وفي هذه الحالة نلاحظ أن المكان في هذا السياق ظل مادة إمدادية تؤكد مصداقية المبعوث وتقوي الإيمان بقدرة الله المسخرة في الكون "(20) عن طريق عرض العناصر المشكلة لصورة المشهد المكاني في قصة ثمود لتكون عاملا مهما في التدخل القصصي لدى المتلقي وهو يجمع تلك الزوايا بمعالمها المتنوعة ليشكل منها صورة كاملة للمشهد المكاني ، وقد اتسعت رقعته ليشمل وجوه النشاط الاجتماعي والعمراني ، والديني لتلك الجماعة وهي تمارس اجتماعها وتعاملها ضمن حيز يتميز بالتجمع والاستقرار والوظائف المتنوعة .
ويمكن توزيع الوظائف وأبعادها المكانية في قصة ثمود على النحو الآتي :
1-  البعد الديني : فالمكان " الحجر " كان مهبطا للوحي الإلهي ، ومهدا للرسالة السماوية على يد النبي صالح عليه السلام ، وفيه تم توطيد العلاقة بين الأرض والسماء فهي ارض الأنبياء المباركة .
2-  البعد الإيماني : كانت الأرض هي الفضاء الذي شهد انشقاق الصخرة وخروج الناقة منها وهي معجزة الله الكبرى في أرضه ومظهرا من مظاهر القدرة الخارقة للمألوف .
3-  البعد الاجتماعي : فالمكان في قصة ثمود كان مصدر استقرار وإستطان وسكن وراحة ، ومركز للتجمع والحركة وتبادل الخيرات بين ساكنيه وهو في الوقت نفسه مصدر صراع بين طبقات المجتمع ، وفيه تجسدت الفروقات الاجتماعية .
4-  البعد الجمالي : المكان كان موطنا لجماليات الصورة الطبيعية والمادية وكأنها لوحة قصصية مزينة بالألوان كما كان المكان موطنا للإبداع في فن العمران والزخرفة عن طريق النحت .
5-  البعد الاقتصادي : فالمكان بجناته و زروعه وعيونه ونخله ، كان مصدر عيش ونماء وخير وحياة لأصحابه .
6-  البعد الاهلاكي : فالمكان كان إطارا إهلاكيا فقد احتضن مراسيم الدمار و الإبادة للمكذبين من امة ثمود ، وظلت آثاره في بيوته ومساكنه الخاوية شاهدة على قيام حضارة سادت ثم اندثرت في تلك الربوع العربية .
المراجع الرئيسية المشار اليها :
1-                  مرشد احمد ، البنية والدلالة في روايات ابراهيم نصر الله ، دار فارس للنشر والتوزيع ، الأردن ،ط.1،2005 م،ص 127 .
2-                  محمد طول ، البينة السردية في القصص القرآني ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر .
3-                  عبد الكريم الخطيب ، القصص القرآني في منطوقه ومفهومه ، دار المعرفة ، بيروت ، د،ط،د،ت،ص 92 .
4-                  مأمون فريز جرار ، خصائص القصة الإسلامية ، ص 92 .
5-                  سورة الشعراء : الآية من 146 الى 148 .
6-                  سورة النمل : الآية : 52 .
7-                  طاهر عبد مسلم ، عبقرية الصورة والمكان ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، الأردن ،ط،1،2002 م ، ص97 .
8-                  محمد قطب عبد العال ، من جماليات التصوير في القران الكريم ، ص 66 .
9-                  فؤاد علي رضا ، من علوم القران ، ص 190 .
10-              سورة النمل : الآية : 52 .
11-              محمود عباس عبد الواحد ، قراءة النص وجماليات التلقي ، دار الفكر العربي مصر ، ط،1، 1996 م،ص 41 .
12-              الآية رقم : 74 .
13-              الآية من 146 الى 152 .
14-              الآية : 9 .
15-              ابن كثير ، تفسير القران العظيم ، ج 5 ، ص 198 .
16-              محمد ضاوي الغنامي ، شمال الحجاز ، العصر الحديث للنشر والتوزيع ، بيروت ، ط،3،1991 م،ج 1،ص 148 .
17-              المرجع نفسه ، ص 149 ,
18-              الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ج 19 ، ص 164 .
19-              سورة هود : الآية : 61 .
20-              حسن بحراوي ، بنية الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، ط،1،1990 م ، ص 25 .
21-              سليمان عشرائي ، الخطاب القرآني ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، ط،1، 1998 م،ص 169 .
         

ليست هناك تعليقات: